top of page
بحث

إذ يشبهون ترامب بالسيد المسيح، فهل يبشرون بصلبه؟

  • صورة الكاتب: sara john
    sara john
  • 5 أبريل
  • 4 دقيقة قراءة

سمير التقي،

إبان غداء عيد الفصح بالبيت الأبيض في الأول من نيسان، شبهت باولا وايت-كين، المستشارة الدينية ترامب بالسيد المسيح في معاناة "الرب المخلص" من "عذابات" و"خيانة"، و"تهم زور".

في السياسة الأمريكية، لا تعيش الاستعارات طويلاً في السماء، بل سرعان ما تهبط إلى الأرض! حيث تحكمها المصالح، وتختبرها الوقائع، ثم تفترسها النتائج. وحين يُستعار قاموس الخلاص الديني لوصف رئيس يواجه أزمة دولية مفتوحة، لا يعود السؤال عن البلاغة، بل عن المصير.

فإن كان أنصار ترامب قد أحبوا تشبيهه بالسيد المسيح، فمن الذي سيصلبه سياسياً لو فشل؟ الأرجح أن الجواب لن يأتي من خصومه التقليديين وحدهم، بل من المعسكر الذي أوصله، ومن المأزق الذي صنعه بيده، ومن الحرب التي تبتلع صاحبها كما ابتلعت كثيرين قبله.

وإذ تعتدي إيران يوميا بشكل سافر وإجرامي على دول الخليج العربي، يصبح هرمز هو أداتها الكبرى.

تصرف ترامب، من منطق أن طهران تقف على بعد خطوات من الاستسلام، لانها لا يمكن ان تغامر بإغلاق شريانها الحيوي هرمز، لكنها فعلت عملياً!

وسرعان ما اكتشف الرجل انه دخل حربا لا يملك إغلاقها. فالنزاعات التي تمس وجود الأنظمة الشمولية في الشرق الأوسط لا تُحسم بالعدّ التنازلي، بل بمنطق البقاء.

وما دام المطلوب من النظام الإيراني، تقليص أدوات ردعه الحيوية، فإن الضغط لا يفتح باب التسوية، بقدر ما يغلقه.

فالثقة سلعة نادرة لدى الأنظمة العقائدية في الشرق الأوسط. والإكراه العسكري الأمريكي ما لم ينتج استسلاماً سريعاً، فإنه يدفع نحو استعصاء مديد.

من هنا يبدأ المأزق الحقيقي. ولا يحتاج نظام الملالي لنصر عسكري لافساد خطة ترامب؛ بل يكفيه رفع الكلفة، وإطالة الزمن، ونقل المواجهة لساحة الأسواق الدولية والممرات البحرية.

بل يتخطب ترامب أكثر فأكثر!

وحين يقول ترامب ان "من يحتاج للنفط عليه ان يفتح المضيق". فإنه يقوي موقف إيران، ويضع العواصم المستميتة المستوردة للنفط، في موقع ضعيف جدا امام إيران، فلطالما حاولت فرض هيمنتها على هرمز!

ثم كيف لهذه الدول ان تغامر بدور الشرطي في الخليج، تحت القصف الأمريكي والإسرائيلي والإيراني المتبادل؟ وبعد، فمن يحرس يسيطر ويفرض!

انه فلم سيريالي بحق! لا يصدق أحد ان ترامب مستعد للتخلي عن نفوذ امريكا في الشرق الأوسط ليفوض امنه لتوافق دولي بين الصين واليابان وأوربا مع إيران!!

فهذا المنطق يتعارض جوهريا مع جعل "أمريكا عظيمة"! فهل تختار أمريكا التخلي عن أحد أعمدة المعتمدة لسياستها في الشرق الأوسط لصالح امن إسرائيل.

هنا تنقلب المعادلة على صاحبها. فما يبدأ في واشنطن كسياسة “ضغط على شريان إيران”، ينتهي سريعاً كأزمة عنوانها “استقرار السوق” و“منع الانفجار”. والتخلي عن دور أمريكا في الخليج. ليصير هرمز هو مركز الثقل، وتتراجع الأهداف القصوى لترامب لصالح صيغ الحد الأدنى: احتواء، وقف تصعيد، ترتيبات مؤقتة، ومخارج تحفظ ماء الوجه.

لكن من منطق الأزمة ذاته، يتم التورط البري تدريجياً.

فإذا واصل ترامب التصعيد دون مخرج تفاوضي موثوق، سيجد نفسه مدفوعاً نحو التورط البري.

يبدأ بقوات خاصة، ثم فرق إسناد، ثم عمليات خاصة، ثم انتشار دفاعي، ثم حضور ميداني وتمركز، يتجاوز هدفه المعلن. وطالما لم تستسلم إيران سيتوسع بنك الأهداف.

الحرب سهلة في الخرائط، عسيرة فوق التراب. وهذا هو الفخ الذي طالما عرفت به الحروب الأمريكية في الشرق الأوسط: وعود بالحسم ثم تنتهي بواقع التورط على الأرض. وتصبح الحملة "العقابية النظيفة" التزاما ميدانيا لا يعترف بخطابات ولا بانتخابات. وتصبح لغة ترامب ذاته عبئاً عليه.

والرجل الذي بنى جزءاً كبيراً من شرعيته على السخرية من “الحروب الغبية” لأسلافه، يكتشف أن التصعيد غير المحسوب يعيده إلى الباب ذاته الذي وعد جمهوره بإغلاقه. تستنزف الحروب المفتوحة الدول العظمى، وتبدد رأسمالها السياسي.

عندها سيجرد المنتقمون الحقيقيون أسلحتهم. لن يكونوا جنرالات طهران، ولا جنودا في خرج، بل من شركاء ترامب في الداخل الأمريكي.

ثمة تيار واسع بين المحافظين لا يرى في هذه الحرب خدمة لمشروع "أمريكا عظيمة"، بل تراه مشروع استنزاف. يقولون ان ترامب خان عهده كرئيس وعد بقبضة صلبة، لا بمستنقع جديد. وسينضم إليهم، بالطبع، خصومه الديمقراطوين، والمؤسسة الإعلامية، وقطاعات من الجمهور المتعب من المغامرات الخارجية.

لا يكمن الخطر الرئيسي علي ترامب في الهزيمة، بل في “النجاح” الناقص. ولا يحاسب الناخب الأمريكي الرئيس على الخرائط، بل على الفاتورة: القتلى، الإنفاق، الاضطراب نفطي، الأسواق القلقة، والوعود المنكسرة.

وفي السياسة الأمريكية، لطالما تفشت بقعة لتصير معركة داخلية كاملة.

حتى الآن، قدم ترامب 12 سببا متناقضا لهذه الحرب، وحدد العديد من "المواعيد النهائية" المتحركة، وأطلق العديد من التهديدات الغائمة. وبهذا، لا يخدع ترامب خصومه بل انه يربك حلفاءه ويرفع كلفة التراجع. وحين يصبح الرئيس أسير صورته، يميل إلى التصعيد كي لا يبدو متراجعاً، لا لأن التصعيد هو الخيار الأنجع، بل خدمة لهيبة الخطاب.

وبدورها، تتدحرج إيران المنكسرة الضعيفة، نحو خراب شامل تحت وطأة مغامرات عقائدية حمقاء، لتضحي بشعبها مقابل "صمود النظام" لتزيد وطأة عدم اليقين في صلبها.

وتلك أيضاً وصفة قديمة لسوء الحساب.

يرجح حاليا النزول الأمريكي على الأرض، ولكنه يبدو المسار الأقصر نحو الأزمة الداخلية! إذ لن يفضي لنصر أمريكي نظيف ابدا، بل سيضرب ترامب في مركز توازنه السياسي.

إذ يكتشف ترامب الآن أن الطريق إلى الحرب لا يمر عبر الخليج فحسب، بل وعبر واشنطن أيضاً.

فحين يصير التصعيد والنصر الناقص عبء استراتيجياً وأخلاقياَ وانتخابياً، سيصلبه على صليب الأزمة، خصومه الليبراليون وحلفاءه في ال MAGA.

لا تعرف السياسية الهدايا المجانية. ولا يكفي توظيف النفاق الديني لصناعة القدر. من يرفع نفسه إلى مقام الخلاص، فإنه يرفع معه سقف الحساب.

وإذ يخرج حلفاء ترامب وجنرالاته مبتعدين، يتشجع خصومه ويتشرنق أنصاره في مواجهة القوى التي اعتبرها ترامب يوماً، خندقه الخلفي. فسيمضي نحو تآكل داخلي بطيء.

عندئذ لن يكون السؤال كيف شبهته "كين" بالمسيح، بل كيف انتهى الأمر به معلقا على صليب السياسة. رابط المقال https://annah.ar/296042

 
 
 

تعليقات


© 2020 مجموعة إنسايت الاستشارية

  • LinkedIn Social Icon
  • Twitter Social Icon
bottom of page