top of page
بحث

إيران.. المفاوضات الأبدية،فيما تخترق العتبة النووية!

  • صورة الكاتب: sara john
    sara john
  • 28 يونيو
  • 4 دقيقة قراءة

سمير التقي،

كم بقي من الوقت حتى تجتاز إيران العتبة النووية وتصبح دولة نووية؟

تشير تقديرات خبراء أمريكيين مرموقين إلى أن إيران، إذا تمكنت من تحييد الولايات المتحدة وإبقاء مرافق برنامجها النووي بعيدة عن ضرباتها، فلن تحتاج إلا إلى بضعة أشهر لبلوغ مرحلة "اليورانيوم العسكري"، وإلى عام إلى ثلاثة أعوام حتى تُنجز قنبلتها وتمتلك وسائل إيصالها.

ورغم ذلك، لا تبدو هذه الأرقام الدقيقة كافية، لأنها تمنح شعوراً زائفاً باليقين، وتفترض ضمناً أن الزمن النووي لا يزال قابلاً للقياس تقنياً.

من جهة أخرى، وحسب ما ينشره الاستراتيجيون الإيرانيون، لم تعد الحسابات الاقتصادية والعقوبات والدمار هي الهاجس الجوهري الأول لحكام طهران، بل أصبحت القضية الجوهرية هي استعادة الردع الدولي والإقليمي للنظام. وهكذا، يغدو الزمن النووي زمناً سياسياً أكثر منه تقنياً.

فقد يستغرق تطوير بعض المكونات ثلاث سنوات، لكن قرار وضعها على طاولة الاستراتيجية قد يحتاج إلى ساعات فقط. عندئذٍ تكتمل اللعبة، ويتحول النجاح العسكري الأمريكي إلى إخفاق استخباراتي واستراتيجي فادح.

أظهرت الحرب الأخيرة أن تدمير التكنولوجيا أو المنشآت أو سلاسل التوريد لم يعد كافياً. فقد جعلت الأنفاق، وتدويل شبكات المعرفة وسلاسل الإنتاج، الضربات العسكرية ضرورية، لكنها غير كافية على الإطلاق.

وأصبحت معضلة عدم اليقين، والحاجة إلى التفتيش والاستخبارات والتحقق، أهم بكثير من مجرد تدمير المرافق أو اغتيال هذا العالم أو ذاك. فقد صار البرنامج جزءاً من معادلة بقاء النظام، لا مجرد قدرات تقنية أو حاجة اقتصادية أو وسيلة للردع الاستراتيجي.

في المقابل، يستتبع الاتفاق النهائي، كما يتصوره ترامب، آليات تحقق وتفتيش تُجرِّد إيران من قدراتها التفاوضية على ابتزاز المجتمع الدولي. أما التفاوض الأبدي، فيمنحها الغموض اللازم وغياب التفتيش، ويوفر لها ردعاً من دون كلفة العقوبات، فيما يتخبط المجتمع الدولي أمام معضلة مزمنة: بين امتلاك السلاح وعدم امتلاكه فعلاً.

لم يعد السؤال: هل سيتأخر البرنامج عاماً أم ثلاثة أعوام عن انتاج القنبلة؟ بل أصبح: هل ما زلنا نعرف أين وصل؟ وهكذا يتحول الهدف الأمريكي الراهن إلى إدارة عدم اليقين.

ي هذا الوضع، لا تكون الشفافية ترفاً قانونياً، بل مورداً استراتيجياً للتحقق، لا يقل أهمية عن الردع العسكري.

وكما أظهرت الحرب، لم يعد الزمن متعلقاً بالبرنامج النووي وحده، بل بأسواق النفط، والاستثمار، وسلاسل الإمداد، والتضخم العالمي. وهكذا، يصبح الزمن النووي سلعة استراتيجية؛ تسعى الولايات المتحدة إلى شرائها، وتسعى إيران إلى استثمارها، بينما تعمل الأسواق على تسعيرها.

لقد أدى الضغط العسكري، وغياب التفتيش الفعّال، إلى تقويض منظومة التحقق، فتحولت السنوات التي ظن الغرب أنه كسبها إلى سنوات من الجهل الاستراتيجي. ذلك أن برنامجاً نووياً غامضاً أخطر بكثير، حتى لو كان أكثر بطئاً. فكل تقدير زمني هو، في جوهره، تقدير لمستوى المعرفة والتحقق المتاح، لا لمستوى التقدم التقني وحده.

وبذلك، يتغير السؤال الذي سيحدد مستقبل الشرق الأوسط. فقد انتهى عصر القوة العسكرية الساحقة، ليصبح جوهر الحساب في إدارة المعرفة، وضمان الشفافية، وتقليص عدم اليقين.

وبحسب تقديرات هؤلاء الخبراء الأمريكيين، تجاوزت إيران العتبة النووية بمعناها المألوف، لكنها لم تمتلك بعد القنبلة. ولعلها ترغب في البقاء بين هذين الحدين عبر لعبة الغموض والتفاوض الأبدي.

غير أن هذين التقديرين يخفيان أكثر مما يكشفان. فقد أصبح البرنامج النووي الإيراني جزءاً من بنية القوة في الجمهورية الإسلامية؛ يمنحها ورقة تفاوض، ويغذي شعوراً بالحصانة من أي حساب، ويخلق غموضاً رادعاً. لذلك، لا يمكن فهمه بمنطق الفيزياء وحده.

إنه مشروع سياسي بوسائل نووية.

وفيما تشير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى صعوبات متزايدة تواجهها في الوصول إلى بعض المواقع والتحقق منها، وبينما ظل مصير أجزاء من المواد والمرافق محل جدل، لم يعد السؤال: كم تحتاج إيران لصنع القنبلة؟ بل أصبح: هل تجد إيران مصلحة في إنجاز اتفاقات "إسلام آباد"، بما قد تستتبعه من رقابة وتفتيش وتحقق، يسحب منها أوراقها التفاوضية ويقطع دابر ابتزازها الإقليمي؟

في المقابل، يتيح لها الغموض استعادة ردعها الاستراتيجي المستند إلى برنامجها النووي.

غير أن هذا الوضع ليس مستقراً، ولا قابلاً للاستمرار إلى الأبد. فهذه الصيغة الإيرانية قد تنهار في أية لحظة. وما إن تعتقد إيران أن الدبلوماسية لم تعد تمنحها الهامش المطلوب، حتى يصبح قرار التسليح النووي أكثر جاذبية. عندها، لا يكون البرنامج مشروعاً للهيبة، بل بوليصة تأمين أخيرة.

ثمة سيناريوهات مستقبلية عديدة، أكثرها ترجيحاً يتمثل في تفاوض أبدي، وتخصيب متقدم، وتعاون محدود مع المفتشين، وتهديدات متبادلة، ومفاوضات متقطعة. ويتيح هذا الوضع لإيران تحسين موقعها، ولواشنطن تجنب حرب واسعة، وللأوروبيين مواصلة الحديث عن الدبلوماسية، وللأسواق التعايش القلق مع الخطر.

إنه توازن هش. وفي مناخ يسوده قليل من الثقة وكثير من الأحداث، يواجه الشرق الأوسط أزمة أبعد بكثير من هرمز والتخصيب، بل يقف أمام أزمة ردع استراتيجي إقليمي، تقليدي ونووي، تجبر دول الإقليم على إعادة حساباتها.

ومن جهة أخرى، تخضع الضمانات الأمريكية لاختبار هو الأشد والأخطر، فيما تحاول إيران تحويل منطقة الخليج من ساحة توتر تقليدي إلى فضاء ردع متعدد الأطراف.

في هذه الدرجة من عدم اليقين الإقليمي، لا تكفي سياسة تقوم على العقوبات والضربات وحدها، كما لا تكفي دبلوماسية تقوم على الوعود العامة. المطلوب معادلة أكثر حنكة: تأخير القدرة، والحفاظ على التفتيش، وتقديم مخرج سياسي يمنع إيران من اعتبار القنبلة ضمانتها الوحيدة. فالتحقق ليس تفصيلاً فنياً، بل هو خط الدفاع الأول.

لم تصبح إيران بعد دولة نووية معلنة، لكنها أصبحت قريبة بما يكفي لتجعل السؤال القديم غير كافٍ. ولم يعد الخطر أن تستيقظ المنطقة ذات صباح على تجربة قنبلة إيرانية فحسب، بل أن تظل الولايات المتحدة سنوات تعتقد أنها تراقب برنامجاً يمكن احتواؤه، ثم تكتشف أن البرنامج سبقها إلى الظل.

ولا يتحدد مستقبل البرنامج النووي الإيراني في المختبرات وحدها، ولا في غرف القيادة العسكرية وحدها، بل سيتحدد في المسافة الفاصلة بين الخوف والحساب. وما دامت طهران ترى في العتبة النووية مكسباً أكبر من القنبلة، فسيبقى الغموض سيد الموقف.

أما إذا أصبح البقاء نفسه موضع تهديد، فقد تتحول العتبة النووية إلى باب جديد للمخاطر. وعندها لن يكون السؤال: هل تحتاج إيران إلى عام أم ثلاثة؟ بل: لماذا لم نعرف أنها عبرت إلا بعد فوات الأوان؟ رابط المقال https://www.annahar.com/articles/annahar-writers/324858/%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D8%A7%D9%88%D8%B6%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A%D9%85%D8%A7-%D8%AA%D8%AE%D8%AA%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AA%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D9%88%D9%8A%D8%A9

 
 
 

تعليقات


© 2020 مجموعة إنسايت الاستشارية

  • LinkedIn Social Icon
  • Twitter Social Icon
bottom of page