من حمورابي إلى ترامب... تشكل نظام التأمين العالمي ضد مخاطر القرصنة!
- sara john
- 16 يوليو
- 4 دقيقة قراءة

سمير التقي،
ردا على القرصنة الإيرانية في الخليج العربي، أعلن الرئيس ترامب في 3 مارس 2026، أن الولايات المتحدة ستوفر تأمينا سياسيا وضمانات للتجارة البحرية، وخاصة منها شحنات الطاقة، التي تعمل عبر الخليج.
فبعد الحرب الأوكرانية، ثم القرصنة الإيرانية انكسر ظهر نظام الضمان على التجارة العالمية وخاصة في الخليج . بل نشأت وقامت الحضارة الرأسمالية على حاملين خفيين هما، بوليصة التأمين والبحرية التي تحميها وتكفلها، فهي التي تقرر ما يتحرك وما لا يتحرك، وما يبنى وما لا يبنى، وما يستقر وما تجرفه الرياح!
يعيدنا إعلان ترامب 1750 عاما قبل الميلاد، حيث يقف التاجر البابلي، متأملا بقلق عظيم سفنه تغادر نحو مضيق هرمز وبحر العرب، لتعود محملة بالنحاس والقصدير والتوابل واللازورد. فما ان تغيب خلف الأفق، حتى تنقطع اخبارها، وتصبح تحت رحمة قراصنة يخطفونها او انواء تغرقها، فيخسر ثروة عائلته لقرون. ويا له من رهان!
يومها، بدأ تجار بابل باقتراض المال لتجارتهم بنسبة ربا تصل ل100٪ من ثمن البضاعة، مقابل قبول الدائن بالمخاطرة.
أدرك حمورابي 1750 قبل الميلاد، ان تدفق التجارة ومصير ازدهار مملكته رهن بضمانها. فشملت لوائحه ال 282 اول نظام للربا، كضمان تعاقدي للمخاطر التجارية، تسجل على رُُُقائم الفخار، فيما يعتبر الوثيقة التأسيسية للنظام الاقتصادي العالمي.
من بعدهم حمل التجار الفينيقيون ثم اليونان والرومان والعرب وصولا لتجار طريق الحرير، تقاليد التأمين التجاري (البوتمري) لتصبح هذه الأداة، العمود الفقري الخفي الذي سمح بتدفق التجارة العالمية وبالعولمة ذاتها.
بحلول القرن الرابع عشر، صارت "جنوة"- إيطاليا أهم مدينة في نظام التجارة والمالية والائتمان والديون الحكومية والتجارة البحرية. وكانت لدى "جنوة" مشكلتان رئيسيتان: القراصنة والبابا.
انتشر القراصنة على المضائٍق، وصارت الدول ذاتها تمولهم قرصنتهم على تجارة منافسهم، كميليشيات تمول رجالها وتقلدهم أرفع الأوسمة! فلا تستهدف السفن لقيمتها بل للعلم الذي ترفعه. فما اشبه اليوم بالبارحة!
من جهته، أصدر البابا 1236، إدانة للقرض البحري، باعتباره ربا فاحشا تخطئه الكنيسة. في حين كانت هذه القروض الربوية الأداة الرئيسية والعمود الفقري لتجارة "جنوة". وبدورها تجاوزت "جنوة" إدانة البابا بسلة من العقود والألعاب السرية.
وكان للتجار العرب حصتهم، حتى أن كلمة Risk كانت اشتقاقا لكلمة "رزٍق" العربية والتي كانت تعتبر معيارا للمخاطرة برزق الله- "يمنحه لمن يشاء، ويأخذه ممن يشاء" ليصبح ال Risk الأساس في حساب المخاطر وبوليصات التأمين.
عندها وضع توماس كازانوفا كاتب العدل في "جنوة"، الإطار المؤسس لوثيقة التأمين الحديثة، لتصبح بدورها نقطة تحول كبرى في نظام التجارة العالمي.
وسرعان ما فهم التجار "الجنويون" ان قدرتهم في تقديم أسعار منافسة لهذا الربا التجاري، كان متعلقا برمته بمستوى ب"المعلومات" التي تسمح بتحديد سعر المخاطرة Risk .
فالدول التي تملك افضل نظام مصرفي لضمان التجارة، وأفضل الاستخبارات، ستكون وحدها القادرة على تقديم أفضل الأسعار الموثوقة للتأمين على التجارة العالمية. إذ تعرف الاستخبارات الطريق الآمنة، والقبطان الموثوق، والموانئ الموثوقة، وتعرف القراصنة "الأصدقاء" و"المعادين"! لتصبح المعرفة والاستخبارات جزءا لا يتجزأ من نظام التأمين في العقود.
ثم جاءت القهوة، إحدى أكثر السلع تداولا على الأرض.
كانت مياه الشرب في لندن - القرن السابع عشر قذرة، والبيرة سيئة، وكان لابد من مشروب ساخن! وسرعان ما اكتظت لندن بمقاهي القهوة، بل وادرك مالكوها أن اخبار التجارة وليس القهوة وحدها هي البضاعة الرابحة في لندن. ففي عالم بلا هواتف ولا راديو، كان التواصل المباشر ضرورة حيوية. فنشأت مقاه متخصصة انتجت بدورها العديد من المؤسسات القائمة الآن، ومنها بورصة لندن.
من جهته فهم "إدوارد لويد" ما يحتاجه زبائن المقهى، انها المعلومات العاجلة! فخصص المقهى لهم وحدهم. حيث تجتمع بيانات السفن وسجلات الوصول، وجداول المغادرة، وأسعار السلع، والنميمة البحرية بشكل منهجي. وعلى التوازي بنى لويدز منظومة معلومات واستخبارات متكاملة.
في ولحظة معينة طرح لويد سؤلا: ماذا لو تمكنا من توزيع المخاطر كرهان لمن يرغب من زبائن المقهى، فهل انتم مستعدون للمراهنة على عودة السفينة؟ لم يكن مقهى لويدز شركة تأمين بعد، بل غرفة لتسعير المخاطر والتفاوض عليها وتوزيعها.
يكتب التاجر تفاصيل الرحلة على ورقة صغيرة: السفينة، الطريق، البضائع، القيمة، والمخاطر المرتبطة. وتمرر الورقة في ارجاء المقهى ويراهن عليها رواد المقهى ويكتبون أسمائهم تحت توصيف "الرزق- Risk.
بعدها صارت لويدز أكبر سوق للتأمين البحري في العالم، مبنية على القهوة والمعلومات والثقة. فلقد امتلكت البحرية والاستخبارات البريطانية واللويدز عماد التفوق على المنافسين الهولنديين والفرنسيين.
إنه ذات الخيط الاقتصادي-السياسي المؤسس للنظام الرأسمالي العالمي. يمتد من حمورابي، لسندباد، لكاتب العدل "الجنوي"، إلى المكتبين في اللويدز وبأجهزة الاستخبارات في لندن.
ثم جاءت الولايات المتحدة لتكمل اللوحة: تجمع الاستخبارات وتحسب الرزق والمخاطر، وتسعر بوليصات التأمين التي صارت جزء عضويا من قيمة النقد الاميركي. فهم يبيعون المعرفة يتحكمون بحاسب الخطورة.
كانت الدول والمدن التي تمثلت نظام التجارة الذي أطلقه حمورابي، وحدثه تجار "جنوة"، وتبلور في لندن، هي وحدها التي صعدت وتقدمت.
لم يعد أمان التجارة مجرد بوليصة شَرطية، بل صار البنية التحتية الخفية للتقدم الحضاري. وبعيدا عن العناوين، تعمل منظومة التأمين الدولية، بكل مكوناتها المالية الاستخبارية والعسكرية.
منذ أيام لاحظت منظومة التأمين بذعر انهيار تغطية المخاطر إثر حرب الخليج العربي، إذ لا يحتاج وقف التأمين إلى غلق المضيق، بل يكفي ان يجعل مخاطرة المرور غير قابلة للقياس.
لم يتغير المنطق البنيوي للعبة مضيق هرمز، بل وحدها أسماء والأعلام والبضائع تغيرت!
لكن من اتخذ القرارات الحاسمة لسحب الابتزاز الإيراني، لم يكن جنرالات أو دبلوماسيين أو رؤساء دول، بل منظومات التأمين الاستراتيجية.
واذا تذكرنا زوارق "قراصنة البازدران" بزوارق قراصنة الخليج القادمين من هضاب زاغروس في الأيام الغابرة، فإننا نفهم انه مع انهيار سوق التأمين الخاص، تدخل الدولة الأمريكية كمنقذ ضامن لتجارة المضيق. والضامن يهيمن!!
منذ أربعة آلاف عام، كان التأمين هو الجدار الحامل الخفي الذي بنته الحضارة لجعل ما لا يحتمل محتملا، ولتحييد القراصنة القادمين من شتى الاصقاع، وبالمنطق الذي يفهمون.




تعليقات