إرهاب يبحث عن قرينه... وتبقى سوريا أكبر بكثير!
إيران و"داعش"، تترقبان بشوق فرصتهما كلما اقتربت سوريا من حرب أهلية جديدة، بل توقّتان ضرباتهما مع كل اختراق ديبلوماسي مع إسرائيل أو الخليج، ومع كل محاولة للمصالحة داخل البلاد.

مذبحة مصياف: جريمة ليست معزولة
مساء الثلاثين من سبتمبر، وقرب جسر مصياف، أوقف ملثمون بزيّ الأمن السوري، حافلة صغيرة تقلّ شبانا من المهندسين والعمّال في مصنع للبلاستيك. تفحّص المسلحون الهويات، ثم أطلقوا النار على الركاب، فسقط سبعة قتلى وأربعة جرحى من أهلنا في جبال العلويين. وكالعادة، وعد قائد الأمن الداخلي في حمص بأن الجريمة "لن تمرّ دون عقاب". ولعلي أجزم أن الملثمين لم يرتجفوا لحظة واحدة من ذلك الوعيد.
لم تكن مذبحة مصياف واقعة معزولة؛ فالتطفيش المنهجي المنفلت لكل مكوّن سوري يخالف الجهادية التكفيرية مستمر، خلسة حينا وعلنا حينا آخر. فقبل ذلك، اقتحم مسلحون قادمون من قلعة المضيق بلدة السقيلبية، حيث أهلنا المسيحيون في ريف حماة، وأطلقوا النار على البيوت والمحال والسيارات، وكأنهم يستدرجون ردّ فعل لتبرير مذبحة جديدة.
إرهاب بلا رأس... يبحث عن عدوّ
لا يحتاج هذا الإرهاب إلى قيادة موحّدة كي يشعل البلاد، ولا إلى بيانات علنية كي يحشد أنصاره؛ يكفيه هذا الطيف الخلاسي المنتشر من الجهاديين، المدجّج بالسلاح والتكفير، والباحث أبدا عن عدوّ يبرّر وجوده. الخطر في سوريا ليس تنظيما بعينه، ولا عودة "داعش"، ولا شبكات إيران وحدها، بل يكمن في:
• لعبة الإنكار الخائبة؛
• إرهاب يجهد كي يولّد قرينه؛
• وغرب يتغافل، كما في أفغانستان والعراق.
والأنكى أن الخطر لا يكمن في الخلايا المسلحة وحدها، بل في الكراريس والرسائل والخطب التي تطبخ نظاما شموليا، يصبح فيه التقرّب من مراكز القوى مرهونا بتصعيد الكراهية والانتقام.
في مصياف انتحل القتلة صفة الأمن، وفي السقيلبية هتف المحتجون: "بدنا حرية إسلامية، لا حرية علمانية". وحين يُفرض على المجنّدين ثلاثة أسابيع من التعليم الشرعي، في بيئة تَعُدّ الديمقراطية كفرا، يصبح السؤال مشروعا: هل يُبنى الجيش على عقيدة "الجماعة المؤمنة" أم على عقيدة المواطنة؟ لم يعد الأمر تفصيلا إداريا.
وصفة مجرّبة: من سامراء إلى "القرين المسخ"
جرّب الإقليم هذه الوصفة مرارا. ففي 2004 كتب أبو مصعب الزرقاوي إلى بن لادن أن أقصر طريق لتعبئة سنّة العراق هو ضرب الشيعة وجرّهم إلى حرب طائفية. وتم تفجير مرقد "العسكري" في سامراء، وانطلقت فرق الموت في بغداد، ورفعت الميليشيات الولائية وحزب الله شعار "لن تُسبى زينب مرتين". وكما كتب صديق بعد تفجير حمص: إذا صلّى السنّة والعلويون معا، خسرت الجماعات الجهادية روايتها القائلة إنهم أعداء لا يتصالحون.
وهذا ما سمّاه رينيه جيرار "القرين المسخ": اللحظة التي يتخادم فيها المقاتلون لتأبيد الصراع، فيغدو كلٌّ منهم نسخة من عدوّه. عندها يصير الإفلات من العقاب استراتيجية رابحة للجميع: فإن وثق الآخرون بالدولة، كسب المتشددون الوقت في ظلها؛ وإن لم يثقوا بها، كسب التكفيريون الذريعة.
أما إيران و"داعش"، فتترقبان بشوق فرصتهما كلما اقتربت سوريا من حرب أهلية جديدة، بل توقّتان ضرباتهما مع كل اختراق دبلوماسي مع إسرائيل أو الخليج، ومع كل محاولة للمصالحة داخل البلاد.
ينتشر الخوف أسرع من العنف، ثم يصير الخوف بدوره وقودا للعنف. وسرعان ما ستغيّر واشنطن حساباتها مع طهران. بدورها تبقى طهران حاضرة مستعدة لإعادة تذخير أذرعها، والدلائل على ذلك كثيرة.
دروس لم تتعلّمها واشنطن
لا يولد هذا الإرهاب في فراغ، ولا يكبر من دون رعاة يتعمّدون الغفلة.
ففي عام 1998 سأل صحافي من مجلة "لو نوفيل أوبسرفاتور" زبيغنيو بريجنسكي إن كان نادما على تسليح المجاهدين الأفغان، فأجاب غاضباً: ما الأهم في تاريخ العالم، طالبان؟ أم انهيار الإمبراطورية السوفييتية؟ "بضعة مسلمين مهتاجين" أم تحرير وسط أوروبا؟" لكن بعد ثلاث سنوات، جاءه الجواب في سماء نيويورك.
ثم أعادت واشنطن الدرس في العراق بكلفة أعلى: حلّ بريمر الجيش واجتثّ الدولة، وأصبح سجن بوكا جامعة للجهاديين، ثم انسحبت أمريكا تاركة خلفها فضلاتها: الفصائل الولائية التابعة لإيران، ونقيضها الجهادي التكفيري.
وبعد ذلك، وعلى منطق أبي نواس "وداوني بالتي كانت هي الداء"، أطلق الجنرال بتريوس تجربة "الصحوات" عام 2007، لكنها سرعان ما انهارت حين تحوّلت إلى صكّ بلا محاسبة.
تعرف الأوساط الأمريكية ذلك كله جيدا، بل دفعت ثمنه من جنودها؛ فلماذا تعيد الكرّة في سوريا؟
من ذات المدرسة، ثمة في واشنطن من يُسقط القراءة نفسها على سوريا! بعد سقوط عائلة الأسد: فليقاتل الجهاديون الجهاديين، وليكسر البطيخ السوري بعضه بعضا.
وفي ضوء ذلك نفهم عطر البيت الأبيض، والضغط المستمر لتوريط دمشق في لبنان، ومحاولات إبقاء الجبهة السورية مع إسرائيل مستعصية على الحل، في عهدة توم باراك.
ليست هذه براغماتية. فما لم يكن الأمريكيون يمتلكون فعلا شريحة "إيلون ماسك" السحرية ليزرعوها في أدمغة الجهاديين، فلا نفهم كيف يُطهَّر آلاف التكفيريين بإغرائهم بمناصب السلطة. وإن كانت لديهم شريحة كهذه فليخبرونا، فوالله سنشتري منها الملايين!
لكنّ الله أعلم بالمهمة الجديدة التي تنتظر هؤلاء، بل لعلنا نعرف تماما ما يريدون! وفيما عدا ذلك، فسنعمل لانهاء المشوار الطويل لآلام السوريين.
مع اقتراب هذه اللعبة الغربية من لحظاتها الأخيرة، تغدو مصياف لحظة اختبار حاسمة؛ فالإرهاب، كالمرآة، لا يوجد إلا بوجهين.
وتبقى سوريا أكبر بكثير!
لكن هيهات! يخطئ من يظن أن ليس في سوريا الا وجهان لمرآة الإرهاب. سوريا أطول عمرا من قتلتها، وأوسع من طوائفها، وأعرق من كل مشروع حاول أن يختصرها. لطالما كانت سوريا سوقا لكل الطوائف والأعراق، عربا وفرسا ومسيحيين ويهودا وفرنجة، بل كلما صارت سوريا ثكنة لطائفة، دمّرت وانحطّت.
فالحضارة ليست آثارا في متحف، بل هي ذاكرة سياسية حية تقوم على منطق "الدين لله والوطن للجميع". وفي ربيع 2011، وقبل أن يُغرق النظام البلاد في الدم ويستولد مرآته الجهادية، هتف السوريون في الشوارع: "واحد، واحد، واحد، الشعب السوري واحد". هذا التحضّر المدني ليس حنينا رومانسيا، بل رأس مال اجتماعي وتاريخي، تحمله كل سوريا التي ترى في الدولة عقداً لا غنيمة.
لم يكن ركاب تلك الحافلة فلولا ولا عائدين من جبهة قتال طائفي، بل من مصنع ينتج الخيرات. تلك هي سوريا التي ستنتصر. وإلى أن تنتصر، سيظل كل سوري، في كل حافلة وعند كل حاجز، يسأل: بزّة من هذه؟ وبندقية من تلك؟ هل لسوريا وطن الجميع؟ أم للإرهاب؟ رابط المقال https://annah.ar/354458




ربما لا تكمن المأساة السورية في أن للإرهاب وجهين، بل في أن السوريين ما زالوا يبحثون عن وجه ثالث ينقذهم من المرآة كلها.
فسوريا لم تُدمَّر لأن فيها طوائف وأعراقا متعددة، بل لأن السياسة عجزت عن تحويل هذا التنوع إلى عقد مواطنة، ولأن أطرافا مختلفة تعاملت مع الدولة باعتبارها غنيمة، ومع المجتمع باعتباره جمهورا ينبغي إخضاعه. وحين تصبح الدولة ملكا لطائفة، أو عقيدة، أو حزب، أو جماعة مسلحة، لا يعود السؤال من يحكم سوريا، بل لمن تنتمي سوريا أصلا.
لكن ثمة مسألة أخرى لا ينبغي تجاهلها: ليس كل من رفع شعار حماية الوطن قد حماه، وليس كل من تحدث باسم التعددية قد آمن بها فعلا. فالمعيار ليس الخطاب، بل ما إذا كان الإنسان يستطيع أن يعيش آمنا، وأن يختلف مع…