لم تخش الخراف الا الذئاب، لحظة ذبحها فهمت ان سكين الراعي ليست اكثر رحمة.
- sara john
- قبل 6 دقائق
- 4 دقيقة قراءة

لن يكون ثمة مخرج لأي من أمم وشعوب الشرق الأوسط من هذه الحلقة العفنة دون قرار جمعي من قومها الأكثري المدني اللاطائفي (بكل طوائفه) أن يدفع ثمن القفز فوق السور! أن يرفض منطق المساومة- المهادنة ضد كل الطوائف وميليشياتها مهما بلغ الثمن ومهما توحشت وتخلفت.
د. سمير التقي لا نحتاج إلى كتاب "كليلة ودمنة" كي نختصر مأزق الدولة الوطنية في الشرق الأوسط. فلو قرأنا الحكاية جيداً: إذ لا يُلام الذئب على جشعه، بل تكمن فيما تبدو عليه شعوب الإقليم، مذهولة بمحدرة مخدرات بعصبياتها الطائفية في انتظار سكين المتدخلين.
منذ عام 1916، كان ثمة اجماع عملياتي في واشنطن ولندن وباريس وموسكو لاعتبار حدود سايكس-بيكو، رغم اصطناعها الفاضح، خطٌّاً أحمر لا يُمس. بل كان الصراع علي من الحكام على وليس على الحدود.
اليوم، ينهار فإن هذا الإجماع القديم علنًا.
يكرر توم باراك، المبعوث الأمريكي إلى سوريا وسفير واشنطن في أنقرة، أن سايكس-بيكو "قسّمت سوريا والمنطقة الأوسع من أجل مكاسب إمبريالية لا سلامًا"، وأن "عصر التدخل الغربي قد انتهى" ليردف حلاصة موقفه: ثم أردف بأن حدود إسرائيل ليست "نهائية"، وأن لواشنطن "القدرة" على التصرف وفق هذا الرأي في لبنان وسوريا.
وهكذا، رغم تنكره بلغة معادية للغرب فإنه يلتحق عمليا بأكثر المشاريع الاستعمارية عدوانية، ليعيد انتاج برنارد لويس الأمريكي 1992ويونين الإسرائيلي 1982.
الآن تعود بريطانيا وامريكا ومؤخرا تعود روسيا، لتنخرط معا في تقسيم جديد لكعكة الشرق الأوسط.
لكن مهلا! من الطبيعي أن يستثمر الخارج في الهشاشة حيثما وُجدت؛ هذا ما تفعله كل قوة كبرى منذ مؤتمر برلين 1884 الذي وزّع أفريقيا بمسطرة لا رحمة فيها، ومنذ قام نظام الانتداب الذي بُرر بعد سان ريمو 1920 بأن هذه الشعوب "غير جاهزة" لحكم نفسها – وهو ذات منطق اللورد كرومر لتبرير بقائه حاكمًا فعليًّا لمصر لربع قرن.
كل هذا متوقَّع من لاعب يحسب مصلحته: ممرات الطاقة، الحلفاء الإقليميون، توازن الردع. لا حاجة لإدانة أخلاقية لسلوكٍ هو، في جوهره، سلوك دولة تتصرف ضمن قانون الغاب. ولا تدحض هذه الحجة من الخارج، بل لابد من دحضها عمليًّا من الداخل، لتثبت هذه الشعوب قدرتها على إنتاج دولة مواطنة.
السؤال الأخطر: لماذا، بعد قرن كامل من دول مستقلة اسميًّا، تظل بنية الداخل هشّة مجوفة ومكشوفة لكل عابر وغازِ، توفر له شريكًا مجانياً جاهزاً، وعصبية محلية تتماهى معه، وتعطي زخما حقيقيا للمخططات الراهنة لتقسيم الإقليم!
العيب غياب عصبية الأمة! وحين تحدث بن خلدون عن دورة الدول من عصبية القبيلة إلى عصبية مُلْك مستقر للأمة. ثم وصف سلوك الأعراب: جماعات تستمد تماسكها من رابطة الدم أو الطائفة أو المذهب، لا من عَقد المواطنة، فتظل عاجزة عن التحضر وعن "الدولة الحضرية" - دولة القانون والإنتاج والضريبة. وهذا بالضبط ما يعيد الإقليم إنتاجه اليوم!
لم تكن تلك الأنظمة الإجرامية التي افرزتها "العلمانية العربية" من صدام حسين إلى الأسد –، ألا جسراً عبرت عليه العصبية الجهادية لتفجر همجيتها على حساب المواطنة والدولة الأمة.
استلمت الحركات الجهادية والطائفية، بشقّيها السني والشيعي، إعادة صياغة وقطيع الإقليم. تنخر الدولة الوطنية وتجوفها من الداخل، فتبا لأية دولة لا تتفرد بها تلك الجهاديةمن : حزب الله في لبنان، الحشد الشعبي في العراق، الحوثيين في اليمن؛ والجهاديون الإسلاميون على امتداد بلاد الشام من القاعدة لتحرير الشام إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" وصولًا إلى الإخوان المسلمين وفرعهم الفلسطيني حماس.
النتيجة تقطيع للبلاد وتكريس نمط متكرر، لا سوء حظ عابر ولا مؤمرة خارجية:
المحاصصة الطائفية الدستورية في عراق ما بعد 2003، وانفصال جنوب السودان 2011 لاصرار الشمال على تطبيق الشريعة، وسلطة الأمر الواقع الحوثية لتقسم اليمن 2014، وانقلاب حماس في غزة 2007، وانقسام ليبيا منذ 2014، والطائفية المشتعلة في بلاد الشام.
في كل حالة، لم تكن العصبية غزوًا خارجيًّا، بل كانت خيارًا محليًّا اختارته القوى الجهادية دفاعا عن مصالح امراء الحرب ومافياتها وميليشياتها.
والآن، نحتاج ان نكون عميانا كي لا نرى زحف داعش و"أحزاب الله" وأخواتهما في كل أرجاء الإقليم!
هنا يكتمل التركيب الجدلي: ليس "العدو" الخارجي من يخطط وليس الداخل مجرد منفذ، بل انه تخادم وظيفي أصيل.
لكن التاريخ يقدّم نموذج مضادا أيضاً:
فحين حاول محمد علي باشا في مصر مطلع القرن التاسع عشر بناء دولة منتجة بجيش نظامي واقتصاد صناعي، اصطدم بتحالف أوروبي أوقفه عام 1840 - لكنه أثبت أن المبادرة ممكنة من الداخل رغم محاولات اجهاضها من من الخارج. وحين اختار الحبيب بورقيبة في تونس بعد الاستقلال إضعاف الزوايا والعصبيات القبلية عمدًا لصالح دولة العلمانية الوطنية، وفرض التعليم الإلزامي، وقانون أحوال شخصية مدني، بنى - رغم كل عيوب تجربته - أقرب نموذج عربي لدولة تقوم على المواطنة لا على الولاء الفرعي.
الفارق بين مصر محمد علي وتونس بورقيبة من جهة، وبين عراق المحاصصة ولبنان التشرذم وغيرها من دول الطوائف من جهة أخرى، ليس فارقًا في نوايا الخارج، بل في قرار النخبة والأوليغرش الداخلي.
لذلك لا عبرة مجدية في إدانة باراك أو لويس او دوغين الروسي او يونين الإسرائيلي. لكن لعلنا ندرك ان الراعي الأمريكي لن يتغيير بإرادته؛ لكنه سيُعيد حساباته فقط حين تتجاوز كلفة الفوضى فائدة النفوذ.
يعلّمنا التاريخ ذلك من انسحاب بريطانيا من عدن عام 1967 إلى تراجع فرنسا عن الجزائر عام 1962 – اذ تتغيير حسابات "الرعاة" حين تتجاوز التكاليف فوائد النفوذ.
لن يكون ثمة مخرج لاي من أمم وشعوب الشرق الأوسط من هذه الحلقة العفنة دون قرار جمعي من قومها الأكثري المدني اللاطائفي (بكل طوائفه) ان يدفع ثمن القفز فوق السور! أن يرفض منطق المساومة المهادنة ضد كل الطوائف وميليشياتها مهما بلغ الثمن ومهما توحشت وتخلفت. لابد من درء منطق العصبية ومجابهته رغم كل وحشيته وتخلفه ومهما كلف الثمن
تقدم أمم كثيرة قوة المثل، لأمم قطعت مع ماضيها الدموي والعصبيات الحمقاء. فمن فنلندا الى سنغافورة إلى دولة الامارات العربية المتحدة تم بناء نموذج "الدولة البرجوازية المنتجة" - اقتصاد رسمي نقيضا للاقتصاد الطفيلي الريعي، تقاس فيه الوطنية بالإنتاج وبالضرائب، وطبقة منتجة وسطى. ليكون الانتماء الوطني القومي أشرف وأعلى من أي انتماء.
أي وطن نورث لأبنائنا؟ رابط المقال https://annah.ar/338519




تعليقات