top of page
بحث

هل يرتقي السياسيون اللبنانيون لأهمية هذه اللحظة؟

  • صورة الكاتب: sara john
    sara john
  • 30 يونيو
  • 3 دقيقة قراءة

سمير التقي

ليست اتفاقية الإطار بين لبنان وإسرائيل مجرد أداة لوقف إطلاق النار، بل إنها إعادة تأسيس للوطن والسيادة اللبنانية التي طالما شُرِّعت باسمها كل الانتهاكات. تكمن الأهمية الحقيقية لهذه اللحظة في أنها تنقل القضية اللبنانية من منطق الصراع الذي تديره الميليشيات إلى منطق مسؤولية الدولة.

يخلق الاتفاق، الذي وُقِّع في واشنطن في 26 يونيو 2026، أساسًا عمليًا للانسحاب الإسرائيلي، ونشر القوات المسلحة اللبنانية، ونزع سلاح حزب الله، وتفكيك البنية التحتية الميليشياوية.

وصف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو العملية بأنها عملية منظمة لاستعادة سيادة لبنان وتمكين إسرائيل من العودة إلى حدودها بمجرد إزالة تهديدات حزب الله. نعم، ليست هذه اتفاقية سلام، لكنها حتمًا اتفاقية تاريخية، تخلق إمكانية مؤسسية للسلام.

وعلى عكس اتفاقيات وقف إطلاق النار، يعترف الاتفاق موضوعيًا بسيادة كلا البلدين، وبحدودهما، والتزاماتهما، ومصالحهما الأمنية. ويشكل هذا الاعتراف وحده بابًا يسمح للبنان بالخروج من الارتهان لمصائر الصراع العربي الإسرائيلي، كما يشكل تحديًا للمنظومة الاقتصادية والسياسية التي ترعرعت في لبنان لتعتاش على الصراع ومنطق الخراب طوال عقود ماضية، بعد أن حوّل حزب الله حدود لبنان إلى أصل استراتيجي إيراني.

حملت الدولة اللبنانية الراية الوطنية، ووقعت المعاهدات، ودفعت الرواتب، واستوعبت الانهيارات، وطرقت أبواب المساعدة، لكن قرار الحرب والسلام بقي خارج سيطرتها.

إذ لم تكن أسلحة حزب الله مجرد أصول عسكرية. وفيما ادعى حزب الله حماية لبنان، تجلى التناقض الداخلي لهذه اللعبة، التي جعلت لبنان مكشوفًا للعبثية الاستراتيجية لحزب يقدس الموت في سبيل إيران على الحياة من أجل لبنان. وأصبحت "المقاومة" آلية يدفع من خلالها لبنان ثمن قرارات لم يتخذها.

يقدم اتفاق واشنطن القوة المضادة: الدولة اللبنانية، المدعومة بالضغوط الأمريكية والأوروبية، والاهتمام العربي بالاستقرار، ومطلبًا اجتماعيًا لبنانيًا للهروب من اقتصاد الميليشيات والطوارئ الدائمة.

ليسن هذه القوة المضادة كافية لهزيمة حزب الله بمرسوم، لكنها تمتلك الآن أداة سياسية وقانونية يمكن تنظيم السيادة حولها.

بل يكشف الرد الأحمق لحزب الله أهمية اللحظة. فقد رفض نائب زعيمه نعيم قاسم الاتفاق، واصفًا إياه بأنه "باطل وباطل"، واعتبره استسلامًا، مؤكدًا نهج الحزب في خرق السيادة اللبنانية.

حزب الله لا يعارض الاتفاق لأنه يعتبره إضعافًا للبنان، في حين أن ما يدفع إليه من حرب أهلية هو الذي سيدمر لبنان، بل يعارضه لأنه يضعف التسيّد الغاشم لإيران وحزب الله.

وكانت أهمية اللحظة في توقيتها أيضًا.

من جديد، كشف اتفاق اسلام أباد التخادم التاريخي بين إيرن – حزب الله وبين المتطرفين المسيانيين الإسرائيليين. وبإعلان بن غفير ان "الاتفاق خطء كبير" أكد تقاطع المصالح بينه وبين إيران - حزب الله، ليكرسوا معا لعبتهم الشيطانية لشرعنة الصراع العقائدي الأبدي، على حساب النازحين والشعب والدولة اللبنانية. إذ يمنح اتفاق إسلام آباد لبنان جانا لإيران، ليغدو ساحة للعبة الردع والإيديولوجيا الإيرانية، فيما يتعيش حزب الله وأجهزته محتفظًا بحق النقض ضد السيادة اللبنانية.

لكن اتفاق واشنطن، الذي جرى بعهدة وزارة الخارجية الأمريكية، يكسر هذا الرابط العضوي، ويتجاوز هذه الغفلة الترامبية التي صاغها باراك وكوشنر وويتكوف، في محاولة لتحويل لبنان، لمجرد بند في مفاوضات إيرانية، لتشمل لبنان في "الجبهة الأوسع"، "حسب التعبير الباكستاني"، ويتحول لبنان تعاقديًا إلى ورقة مساومة أبدية في يد إيران.

بالمقابل، تحتوي الاتفاقية على مخاطر كثيرة!

تكمن هذه المخاطر في لعبة جداول التحرك الميداني، خطوة مقابل خطوة، بين الانسحابات الإسرائيلية والتقدم في إخلاء الجنوب من سلاح حزب الله. الامر الذي يتطلب ، إذًا، بقاء الاستنفار السياسي والدبلوماسي اللبناني لمحاصرة مناورات حزب الله، والحزم في التفاوض مع إسرائيل.

سيكون الصراع الحاسم داخل لبنان، في المؤسسات البيروقراطية، والأمن، واقتصادات الحدود، وشبكات المحسوبية، والنفوذ البلدي، وقنوات إعادة الإعمار، والخوف. إذ لا يجب الاكتفاء بنشر الجنود في الجنوب، بل العمل حثيثًا على إزالة البنية التحتية الإدارية الميليشياوية. وسيكون العبء الأكبر على الجيش، الذي تعتمد شرعيته على عقيدة وطنية مناهضة للميليشيات، وصديقة وحاضنة للشيعة.

قد لا يشن حزب الله عمله الانقلابي فورًا، لكنه سيحاول شل الحكومة والمجتمع السياسي وترهيبهما، واختراق آليات التنفيذ، أو استفزاز إسرائيل. وهنا تكمن أهمية الدور الخارجي، بوصفه داعمًا لا بديلًا عن الشجاعة السياسية اللبنانية.

ثلاثة سيناريوهات تحدد الطريق أمامنا الآن.

الأول هو سيناريو السيادة، ليصبح اتفاق واشنطن رافعة لاستعادة السلطة تدريجيًا، ولكن بشكل لا رجعة فيه. وسيعزز دور الجيش، وحصر أموال إعادة الإعمار بقنوات الدولة، الدعم العربي والغربي.

هذا السيناريو لا ينهي كل الصراع من أجل بقاء لبنان، لكنه يغير اتجاه التاريخ.

السيناريو الثاني هو سيناريو التخريب. يحشد حزب الله قاعدته، ويهدد بصراع أهلي، ليجبر الدولة على التراجع. فتستأنف إسرائيل الضربات، ويعود لبنان إلى الحلقة المفرغة.

السيناريو الثالث هو الهجين المجمد، حيث يبقى الاتفاق قائمًا رسميًا، لكنه لا يترسخ جوهريًا. فتبقى إسرائيل في مناطق أمنية، ويحتفظ حزب الله بقدرات خفية، وينجز الجيش انتشارًا محدودًا، ويتردد المجتمع الدولي في جدوى التوجه الجديد.

وما لم تتعامل القيادة والمجتمع السياسي اللبناني بحزم وبراعة وطنية تاريخية، فثمة خطر أن يكون هذا السيناريو هو الأكثر احتمالًا على المدى القصير.

ليس السؤال الجوهري بالنسبة للمجتمع السياسي اللبناني إن كان مع الاستقرار والسلام والازدهار، بل ما إذا كان مستعدًا للتخلي عن منظومة ومصالح الماضي، ودعم إعادة بناء الدولة اللبنانية السيدة.

لا تكمن الأهمية التاريخية لاتفاق واشنطن في أنه قد يضمن السلام للبنان، بل في أنه يكشف التناقض المركزي في نظام لبنان بعد الحرب. فلا يمكن للبنان أن يحرر أرضه من إسرائيل دون تحريرها من إيران.

 
 
 

تعليقات


© 2020 مجموعة إنسايت الاستشارية

  • LinkedIn Social Icon
  • Twitter Social Icon
bottom of page