top of page
بحث

إنتروبيا طهرانيحين التحول، عندما تنطفئ الأضواء في «البازار»

  • صورة الكاتب: sara john
    sara john
  • قبل 6 أيام
  • 4 دقيقة قراءة

سمير التقي

لم تعد الأزمة في طهران مسألة صراع بين «إصلاحيين» و«متشددين»، بل غدت انهيارًا متدرّجًا للنموذج السياسي–الاقتصادي للدولة الإسلامية الإيرانية، ذلك النموذج الذي أبقى النظام قائمًا على قيد الحياة لأربعة عقود، قبل أن يدخل اليوم طور الشيخوخة والهرم.

وكما هو حال الأنظمة الشمولية التي أنشأها البشر، وعلى الرغم من الضجيج العقائدي الكثيف، مرت الثورة الإيرانية بثلاثة أطوار متعاقبة: الطور العقائدي، ثم طور البيروقراطية السياسية التي تسللت إلى نسيج العقيدة ذاتها، قبل أن تتحول الثورة إلى ملكية خاصة لمراكز القوة داخل النخب البيروقراطية والعسكرية. وهي نخب لم تعد تتصارع حول الطريق إلى الجنة أو خلاص الإنسان، بل حول مليارات الدولارات التي تراكمها وتتحكم بمصائرها. ولم يتبقَّ من شرعية العقيدة، ولا من الرسائل الخالدة، ولا حتى من الاستبداد، سوى ذريعة لإدارة الأزمة وتبرير الاستعصاء الاقتصادي.

ولقرون طويلة، شكّل صخب الحمالين والتجار في «بازار طهران الكبير» الموسيقى التصويرية الدائمة للسياسة الإيرانية. أما اليوم، فيخيّم على البازار صمت ثقيل ومريب؛ صمت لا يعكس هدوءًا طبيعيًا، بل يعكس حالة ترقّب حاد تسبق العاصفة.

منذ ثورة عام 1979، شكّل البازار في الأسواق التقليدية الإيرانية العمود الفقري للعقد الاجتماعي. أما اليوم، فقد أُغلقت بواباته نصف إغلاق، وهو يراقب الانهيار المذهل لقيمة التومان. ولم تعد الأرقام مجرد مؤشرات مالية، بل تحولت إلى إعلان وفاة صريح للعقد الاجتماعي الذي ربط البازار بالمؤسستين الدينية والعسكرية لعقود طويلة.

في الفيزياء، يُستخدم مفهوم «الإنتروبيا» بوصفه معيارًا لقياس الفوضى. وقد بدأ هذا المفهوم يُستدعى مؤخرًا في الاقتصاد السياسي كأداة تحليلية، منتجًا منظومة معقدة من مؤشرات «الإنتروبيا السياسية–الاقتصادية».

ومع دخول شهر يناير 2026، تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية على حافة «الإنتروبيا الاقتصادية القصوى» (Maximum Economic Entropy). فالمشهد في طهران لم يعد قابلًا للاختزال في سرديات «المتشددين» و«الإصلاحيين»، بل يشهد لحظة تاريخية نادرة تتراجع فيها قدرة السلطة على ضبط الإنتروبيا، ليس فقط بفعل الضغوط الخارجية، بل نتيجة انهيار داخلي في الكفاءة الوظيفية للنموذج السياسي–الاقتصادي للنظام. وقد تسارع هذا الانهيار بصورة كبيرة بعد تلاقي «حرب الاثني عشر يومًا» مع عقوبات «سناب باك» (Snapback)، ليأخذ فخ الإنتروبيا شكله الأول في فوضى مالية تجاوزت بكثير أرقام التضخم الرسمية المرعبة.

عند بلوغ سعر الصرف نحو 1.45 مليون ريال للدولار الواحد، لم يعد الانخفاض ظاهرة دورية، بل شكّل لحظة تمزقت فيها الثقة السيادية، وانهارت معها احتياطيات النقد الأجنبي السائلة، ليدخل الاقتصاد الإيراني حالة عميقة من الإنتروبيا والفوضى الهيكلية، حيث تفقد الأسعار وظيفتها كمؤشرات سوقية، وتتحول إلى مؤشرات للخوف الوجودي.

في محاولة يائسة، سعى بزشكيان إلى استعادة التوازن المالي عبر «علاج بالصدمة»، من خلال اعتماد نظام تسعير ثلاثي المستويات للوقود. غير أن القرار، في اقتصاد ينزف مصداقية على نحو حاد، جاء كمن يصب الزيت على النار. فقد قفزت الأسعار بشكل حاد، لتتحول الطبقتان الوسطى والفقيرة، المثقلتان أصلًا بأعباء الحياة اليومية، إلى وقود لانتفاضة الجياع: تطبع الحكومة النقود لسد العجز، فتتآكل قيمتها، فترتفع الأسعار لتعويض التآكل، فتزداد طباعة العملة في دوامة جهنمية تذكّر بألمانيا في عهد جمهورية فايمار عام 1923، ولكن هذه المرة بنكهة شرق أوسطية عقائدية وخلفية نووية.

غير أن الأخطر من الأرقام هو التحول السوسيولوجي العميق المرافق لها.

تاريخيًا، شكّل تحالف «المسجد والبازار» صخرة تحطمت عليها طموحات الشاه في سبعينيات القرن الماضي، ثم طموحات صدام حسين، ولاحقًا الولايات المتحدة. كانت العمائم تحكم وتفتي، بينما كان البازار يربح ويوفّر شبكات التمويل والدعم اللوجستي.

هذه المرة، لم تنطلق الاحتجاجات من الجامعات، بل من قلب البازار نفسه. إذ لم يعد النظام حاميًا للبازار، بل أصبح سببًا مباشرًا في خرابِه.

وكما في دمشق عام 2011، حين تحوّل التاجر المحافظ الذي كان يغلق متجره كل يوم جمعة لأداء الصلاة في الجامع الأموي إلى متظاهر يهتف ضد النظام، بات واضحًا أن هذا التحالف قد مات، بعد أن فقد قاعدته الاجتماعية الأكثر ولاءً.

إنها لحظة انفصال عضوي لا يمكن ترميمها بخطابات عن «المقاومة» أو «الصمود».

وليس هذا فحسب؛ فما يزال استراتيجيو طهران يراهنون على وهم «الشبكة الجيوسياسية» البديلة. فقد كان يُفترض أن تشكّل منظمة شنغهاي و«البريكس» طوق نجاة اقتصاديًا وسياسيًا، غير أن الواقع سرعان ما كشف سذاجة هذا الرهان.

فعلى الرغم من أفول زمن القطبية الأمريكية الواحدة، فإن العالم لا يتجه نحو استقطاب بديل، بل يعيش عصر «الشبكة الجيوسياسية» (Geopolitical Lattice)، حيث لا تقوم العلاقات الدولية على كتل صلبة، ولا على ثنائية الشرق والغرب، بل على شبكة معقدة من المصالح المتداخلة، تحكمها حسابات دقيقة للكسب والخسارة بين «الأصدقاء الكبار».

فبعد تفعيل «آلية الزناد»، لم تُغامر بكين بعلاقاتها مع الغرب ولا بأسواق الطاقة، ولم تتحدَّ قرارات مجلس الأمن، بل كانت البنوك الصينية أول من جمّد حسابات الشركات الإيرانية، في حين لم تقدّم روسيا سوى دعم لفظي محدود.

ويكتمل مشهد الإنتروبيا بعد «حرب الاثني عشر يومًا». فبعد أن اعتمدت طهران لعقود على استراتيجية «الردع غير المتماثل»—من ميليشيات وصواريخ—انهارت خطوط الردع الإيرانية، وتهاوت معها استراتيجيات منع انتقال الحروب إلى الداخل الإيراني، وهي استراتيجيات استثمرت فيها طهران مليارات الدولارات.

هكذا نشأ فراغ مخيف تحت نموذج النظام القائم في طهران، لتجد القيادة الإيرانية نفسها أمام خيار «شمشون»: إما الاستسلام لمطالب الشارع والمجتمع الدولي، أو الانزلاق نحو تصعيد انتحاري.

وتضيق الخيارات المتاحة أمام طهران بوتيرة مذهلة. فقد أثبتت محاولات الإصلاح من الداخل فشلها حتى الآن، نتيجة فقدان النظام المرونة اللازمة لامتصاص الصدمات، كما اصطدم الرهان على الخارج بجدار المصالح القومية للقوى العظمى.

ولم يبقَ سوى سيناريوهين: إما تحوّل قسري من داخل النخبة نفسها—على هيئة «انقلاب أبيض» لإنقاذ ما يمكن إنقاذه—أو انهيار فوضوي شامل قد يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط.

وفيما يغلق البازار محلاته باكرًا خوفًا من المظاهرات الليلية، تشير الديناميات الراهنة إلى أن إيران لا تمر بأزمة عابرة يمكن إدارتها، بل تعيش «تحولًا طورِيًا» في الفيزياء السياسية–الاقتصادية. وفي سوق السياسة الإيرانية، يتجه الشعب الإيراني، ومعه قطاع واسع من النخبة التقليدية، نحو تصفية دكاكينهم في «مشروع الثورة».

ويبقى السؤال: كيف سيجري ذلك؟ وما كلفته على الوطن الإيراني، في شبكة جيو–استراتيجية عالمية تعصف بها الأزمات؟ ثمة درس تاريخي سياسي–اقتصادي قاسٍ وبسيط: لا يمكن لأي أيديولوجيا، مهما بلغت صلابتها، أن تصمد طويلًا أمام قانون «الإنتروبيا» حين يصبح ثمن رغيف الخبز أعلى من قيمة العملة التي تُشترى به. وفي إيران، تحالفت الفيزياء أخيرًا مع الاقتصاد لتفرض كلمتهما الأخيرة.

وتبقى أسوأ اللحظات في عمر أي نظام شمولي، هي اللحظة التي يبدأ فيها بمحاولة إصلاح نفسه. https://www.annahar.com/articles/annahar-writers/271285/إنتروبيا-طهران-يحين-التحول-عندما-تنطفئ-الأضوا-في-البازار

 
 
 

تعليقات


© 2020 مجموعة إنسايت الاستشارية

  • LinkedIn Social Icon
  • Twitter Social Icon
bottom of page