top of page
بحث

ميونيخ، أوربا من طمأنية كسولة، إلى الفطام عن حليف متخبط.

  • صورة الكاتب: sara john
    sara john
  • قبل يوم واحد
  • 4 دقيقة قراءة

سمير التقي،


لطالما حاولت أوربا تأجيل الاعتراف بحقيقة بدت ساطعة منذ عقدين: "لم تعد الضفة الأخرى من الأطلسي مصدر يقينٍ استراتيجي وسياسي".

عكس مؤتمر ميونيج للأمن لعام 2026 حقيقة هذه الصحوة الأوربية. لم يأتِ التحوّل على صورة قطيعة، بل إعادة ترتيبٍ للأولويات، فلقد دفعت اوربا ثمنا باهظا لتعلم حكمة قديمة جديدة ان "ما حك ظهرك مثل ظفرك".

لم يمت الناتو، ولكن في انتظار "ما بعد ترامب"، تبدل دون رجعة مفهوم "الناتو" حول "الالتزام المتبادل". لتنعطف أوربا كي صبح ندا استراتيجيا وتفاوضيا مع الحليف الأمريكي دون ان تكون بديلاً عنه.

بذلك تحصن أوربا نفسها أمام تقلّبات السياسة الأمريكية العليلة، بعيدا عن اغراءات الاتكال علي "المظلة النووية الأمريكية الذي لا يزال حجر الزاوية في ردعٍ لا يحتمل التجريب.

فحين يهتز التزام الوقة الراعية ليغرق في صخب سياسي عقيم تحت ضغط المزاج الانتخابي الأمريكي تستيقظ من حلم الرعاية الأمريكية.

تعيد أوربا تعريف موقعها لااستراتيجي في عالم متعدد الأقطاب، لا لأنها تريد الاستقلال الاستراتيجي عن "الناتو" بل لضمان الردع، في لحظة قد يجدها خصوم الغرب فرصة لاختبار العتبات الاستراتيجية للغرب: قدرات قابلة للنشر، عمق صناعي، مرونة إمداد، واستكشاف ترتيبات تشاور نووي، تُخفّف الاعتماد على الولايات المتحدة.

ليست هذه أول مرة يكتشف فيها الأوروبيون حدود الضمانٍ الاستراتيجي للناتو. في أزمة السويس عام 1956 تعلّم البريطانيون والفرنسيون درسًا مُرًّا: الغضب الأمريكي قادر على إغلاق الأفق السياسي حتى على أقرب الحلفاء.

في خمسينيات القرن الماضي فشل مشروع «الجماعة الأوروبية للدفاع» قبل أن يولد، لأن الهوية الاستراتيجية كانت أضعف من الاندفاع المؤسسي. ثم جاءت حرب البلقان في التسعينيات لتفضح عجز أوروبا عن إدارة حربٍ في جوارها المباشر دون قيادة أمريكية. ترك كل منعطفٍ من هذه المنعطفات ندبةً في ذاكرة القارة، وها هي الندوب تطفو في ميونيخ. فحين تتراجع موثوقية الشريك الأمريكي يلزمنا «ناتو أكثر أوروبية».

يتطلب تحولا كهذا، الانتقال من "استراتيجيات الرفاهية" إلى "الطوارئ الاستراتيجية" على طول أوربا وعرضها: ميزانيات ومصانع وسلاسل توريد ومعايير شراء مشتركة. إنه إطار إنفاق دفاعي طويل الأجل، وخطط سنوية، وتوحيد البيئة المعلوماتية ومواصفات العتاد.

ثمة ثلاث طبقات للفطام الأوربي: 1. تحول السردية الاستراتيجية: اذ لم تعد أمريكا غطاء تلقائيا ولابد لأوروبا أن تمتلك خياراتها. 2. الترجمة المؤسسية: التي تحبطها العوائق البيروقراطية: تعدد النظم القتالية، تضارب المصالح الصناعية، وحساسيات السيادة. 3. تحقق القدرة العسكرية الملموسة: حيث تترجم هذه الاستراتيجيات إلى مستودعات وذخائر وأنظمة متكاملة للدفاع الجوي والصاروخي وقدرات فعلية «للضربات العميقة»، إضافة لقدرات سريعة للاستطلاع، والمراقبة، والقيادة، والسيطرة. ليصبح التحدي والخطر الأكبر امام اوربا: انها تعلن استقلالها قبل التحقيق الفعلي لمصداقية لهذا الاستقلال الاستراتيجي النسبي، فأخطر لحظة هي لحظة الغموض الاستراتيجي.

عودة منظومة E3 كحل أولي أدنى!

في انتظار تحقق الردع الشامل، تلجأ أوربا لتحالف علمياتي - ألمانيا وفرنسا وبريطانيا. وبعيدا عن النزوات الفرنسية القديمة وبهدف تخفيف تردد الدول الأخرى، تدفع ألمانيا بالكتلة الصناعية وبمزانية دفاعية مهولة لتحقيق كفاية أوروبية داخل الناتو. بدورها تقدّم فرنسا عقيدتها الديغولية التراثية "الإدارة الاستراتيجية الذاتية" للخروج من عباءة الاعتماد المطلق على واشنطن. ذلك ان "السيادة دون قدرات هي استعارة فارغة".

بدورها تقدم بريطانيا العمق العملياتي والاستخباراي، قوتها النووية "الثانية"، وتؤدي دور الجسر بين الصناعة الدفاعية الأوروبية والمعايير الأطلسية. فتاريخ بريطانيا مع «الخصوصية» الأمريكية لم يمنعها، في محطات كثيرة، من إدراك الحاجة للقدرات الذاتية للقارة. ورغم الضعف الكبير الذي تسببه البريكست، جعلت ميونيخ «تكامل الدفاعي والصناعي" ضرورة بريطانية.

نوويا، لم يعد الردع الأوربي تجميليا، بل انه يقترب من الخط الأحمر دون تجاوزه، فالمظلة الأمريكية ليست مجرد سلاح، بل قرار سياسي لا بد من تدعيمه بقدرات ذاتية.

تحمل هذه اللوحة الراهنة مخاطر كبيرة: فذهاب أوربا نحو «هيكل ضمان» مستقل نسبيًا يحمل مخاطر مزدوجة: أن تقرأ روسيا ضعفا أطلسيا، أو أن تقرأه مريكا كتشكيك في جوهر التحالف.

تعلمنا أزمة الصواريخ الأوروبية في الثمانينيات، كيف أربك الانقسامٍ الداخلي في الناتو المعادلة الاستراتيجية بأكملها. فالردع لا يقوم على الرؤوس النووية وحدها، بل على وحدة الإشارات التي يرسلها الغرب لخصومه، لردعه عن اختبار مناعة "الناتو".

في ميونيخ تدخل أوربا «شريكٌ منافس» لواشنطن… صناعةً وقيمًا وجيو-اقتصادياً. حيث ظهرت فيها أيضاً ملامح احتكاكٍ مع أمريكا في التجارة، والهجرة، والمعايير الصناعية، وحدود «القيم المشتركة».

من جهتها تتصرف واشنطن بمنطق الإملاآت: تعاونٌ دفاعي مقابل اصطفافٍ في ملفاتٍ اقتصادية وسياسية. ويرد الأوروبيون ان التحالف لا يعني التفويض.

بل تجسد الاحتكاك بجلاء في مجال الصناعة الدفاعية. ومع ارتفاع الإنفاق الأوروبي سيسيل لعاب الشركات أمريكية ضد منافساتها الأوربيات وضد منطق الحمائية الاقتصادية التي أسسها ترامب ذاته. بل ويرتفع التوتر الجيواقتصادى أيضاً مع أمريكا، من سياسات الطاقة إلى المعادن إلى طرق الملاحة

نافذة اختبار 12–24 شهرًا: وفيما تتشوق روسيا لمتابعة القدرات الأوربية فإن أي تعثر في برامج التسليح الكبرى، يحمل مخاطر استراتيجية جمة.

لذلك تميل أوربا نحو السيناريو أكثر استقرارًا: وفيما «تعيد التفاوض في الناتو، تضخ إنفاقًا منتجًا، وتقلّص تناقضاتها الداخلية، وتزيد جاهزية الدفاع الجوي ومخزونات الذخائر والقيادة والسيطرة، مع بقاء الولايات المتحدة منخرطة ضمن قواعد أوضح لتقاسم الأعباء، حيث العبرة للتنفيذ وليس للخطابات والإشارات.

لا تبني أوروبا في ميونيخ 2026 «جيشًا قاريًا» كما تحدثت بعض الخطب في ميونيخ، ولا تُعلن انسحابًا من الناتو كما تخشى بعض العواصم، بل تريد أن تُبقي الولايات المتحدة قريبة، لكنها تريد أيضًا تبني مسافة أمان لتتأكد من أنها لن تسقط يوما ان ابتعدت واشنطن.

وفيمت تعود سياسة القوة لتحكم عالمنا، تبدو هذه البراغماتية هي الحل المنطقي. وبالنسبة لأوربا، لم تعد التحالفات عقودًا أخلاقية، بل ترتيبات مصلحة تُختبر مع كل أزمة.

لنقف اما السؤال الذي يبقى مفتوحا، ربما حتى ميونيخ أخرى:

هل تستطيع أوروبا أن تُنتج أكثر، وتعزز ردعها بحيث لا تغري خصومها باختباره قبل ان يكتمل؟ رابط المقال https://www.annahar.com/articles/annahar-writers/278510/ميونخ-أوروبا-من-طمأنينة-كسولة-إلى-فطام-عن-حليف-متخبط

 
 
 

تعليقات


© 2020 مجموعة إنسايت الاستشارية

  • LinkedIn Social Icon
  • Twitter Social Icon
bottom of page