سوريا من شرعية الغلبة إلى الشرعية التوافقية دستور توافقي وعدالة انتقالية تعيد تعريف القوة
- sara john
- 2 يناير
- 7 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 3 يناير

تُشبه هذه العودة على ما انتهت إليه من فرضية انهيار دولة الأسد وصمود «سوريا الجديدة» مستندةً إلى تجربة إسبانيا ما بعد فرانكو، لبنان بعد اتفاق الطائف، ألمانيا ما بعد الحروب، العراق بعد ٢٠٠٣.إضافة إلى دروس الآخرين، وخطة مارشال الأوروبية، وفشل نموذج إعادة الإعمار.تكتب سوريا اليوم دستورها، وتضع معادلتها الخاصة التي تخلط بين لحظة من الماضي القريب وأخرى من المستقبل، تضع شرعية جديدة تقوم على العدالة الانتقالية، في إعادة إنتاج الطلب الشعبي باسم دولة القانون وركائز الشرعية من جديد.
د. سمير التقي
أولاً: لحظة انتقال هشةخلال عامي ٢٠٢٤–٢٠٢٥ انتقلت سوريا من عهد الاستبداد والاحتلال إلى حالة انتقالية غاية في الهشاشة. تشكّلت بقيادة جديدة برئاسة أحمد العيسى، حكومة انتقال وطني غير حكومية.إلا أنها بقيت تفتقر إلى حكومة مركزية.تعاملت الأمم المتحدة والإغاثة مع هذا التطور بوصفه انتقالاً اضطرارياً، وليس خياراً سيادياً.فالدولة بمفهوم السلطة لم تكن حاضرة لتُمَارس دورها السياسي والاقتصادي، وبقيت المؤسسات السيادية تعمل تقريباً من تحت الصفر.
ثانياً: بيئة داخلية مفككة
١. تفكك عسكري وعنف «مضمر»:تشكلت الخرائط العسكرية في سوريا الجديدة على فسيفساءٍ معقدة:فصائل جهوية موالية للحكومة، وأخرى تكرّسها الفوضى.تدين بعضها اسميّاً للمركز، لكنها تتحرك بدوافع عقائدية ومناطقية وبيئية إقليمية متناقضة.اقتصاد ظلّ حرّ نسبياً بحكم غياب المصدر الأساسي للتمويل. بقيت قوات دفاع محلية بجيبات أمنية هنا وهناك، وأسواق سوداء.قوات دفاع محلية نسبت أحياناً لقوات سوريا الديمقراطية أو قوات النخبة العشائرية، لكنها تحكم السيطرة على مجتمعات محددة (عشائرية، طائفية أو مناطقية).كل هذه الفئات تخطط بدوافع فئوية ومصلحية ومستقلة داخل نطاق مجتمعاتها الجغرافية، وتخوض فيها صراعات يومية على مناطق النفط والمياه
◀ التحدي الأكبر أمام الحكومة يكمن في علاقتها بالفصائل المسلحةالموالية والمعارضة ففي الظروف السورية الراهنة لا يمكن اشتقاق الشرعية
فقيرة، ومقاتلون سابقون بلا أفق اقتصادي.من منظور نظرية الألعاب، يلعب داعش دور "المخرب" (spoiler):فكلما تقاربت الدولة والفصائل، أو تحسنت صورة الحكومة خارجياً، يبادر التنظيم إلى خلق صدمة أمنية (هجوم نوعي، تفجير كبير، اغتيال) تعيد منسوب الثقة إلى نقطة الصفر، وتدفع الأطراف إلى الارتياب المتبادل.
تتصدى داعش عمليات متقطعة تشارك فيها:• قوات تابعة للحكومة الانتقالية؛• وحدات من قوات سوريا الديمقراطية؛• فصائل من "الجيش الوطني"، المدعوم من قاعدة التنف الأمريكية؛• وقوات خاصة أمريكية تشن ضربات جوية أو عمليات محدودة.
لكن استمرار هذه العمليات لا يعوض غياب معالجة جذور المشكلة: التهميش، والفقر، وغياب بدائل اقتصادية وسياسية.
٢. تهديد أمني مستمر: داعش بوصفه المقنّع.لم يتلاشَ تنظيم داعش بعد. فثمّة جيوب تسيطر على مساحات في البادية السورية الشرقية، مع استغلال الفراغات الأمنية والسياسية الناتجة عن توقف الحروب الصحراوية، امتداداً إلى شرق الفرات.
٣. نزاع سياسي – دولي واجتماعيلم يقتصر الانهيار على الجيش، فقد اقدمت الحكومة الجديدة على استبعاد ما يقدر بنحو ٧٠٪ من الجهاز البيروقراطي المرتبط بالنظام السابق.ترافق ذلك مع حل منظمات مجتمع مدني رسمية أو شبه رسمية، وتعليق عمل كثير من المجالس المحلية المنتخبة أو المعينة.نتيجة لذلك نشأ:• فراغ مؤسسي حاد في الإدارات العامة، القضاء، الأجهزة الرقابية، والسلطتين التشريعية والتنفيذية على المستويات الوسطى والدنيا؛• انقطاع في استمرارية الخدمات العامة، من السجل المدني إلى التعليم والصحة..في المقابل ما زال الحديث عن تشكيل الحكومة الانتقالية في طور إعادة التشكيل، كلٌّ يردده على طريق احتكار العنف، إلا عبر التفاوض والتسويات مع القوى المسلحة الأخرى.
◀ احتواء الجميع سياسيًا وطوعياً عبر حزمة دوافع وضمانات تجعل كل طرف مستفيداً من السلم الأهلي مع وجود «ضامن» خارجي• ضعف في النظام القانوني، وعودة المسؤولية إلى «عُرف» النزاعات (عبر الوجهاء أو القبائل أو العشائر).• يفرض هذا النمط غير المُمَأسس على الحاكمين الجدد معادلة صعبة: موازنة الفوضى المسلحة، مع بقاء القواعد القانونية مستمرة.
ثالثاً: أساس إنساني واقتصادي هشتتعافى سوريا من أسوأ الأوضاع الإنسانية والاقتصادية منذ عام ٢٠١١.أكثر من ٨ ملايين نازح داخلي، يعيشون ضمن ظروف قاسية ومتعددة داخل البلد.اضطرار الليرة في فبراير ٢٠٢٥، لتخطي نحو ٢٤ ألف دولار، بعد توقف شبه كامل للإنتاج والاستهلاك.تضاعف معدلات التضخم، واستمرار ارتفاع كلفة المعيشة بنسبة تتجاوز الضعف خلال السنوات الخمس بين ٢٠١٩–٢٠٢٤.• أزمات وقود وكهرباء خانقة عطلت عمل المستشفيات ومحطات ضخ المياه وعمليات الإنقاذ.لا تبدو هذه العمليات بمثابة استثناء، فقد باتت تشكل أيضاً أرضية حقيقية لتشكيل الاقتصاد غير المنظم، الذي يشمل الجميع، لكنها في الوقت نفسه تشري استمرار اقتصاديات الحرب، والتهريب، وشبكات الفساد والمحسوبية.من هنا، تراهن الحكومة الحالية على اقتصاد بديل، يخرج من دائرة الاستبداد السياسي والبيروقراطي.ليس من المؤكد أن يكتب لهذا المشروع ما كتبه التاريخ من نجاحات التبر، لأن سوريا ما زالت في مرحلة ما قبل الصعود.بل بأيدي تكنوقراط وإداريين يعيدون تجميع مؤسسات منهارة وفق حوافز مالية وإدارية تشجع على السلوك التشاركي.خصوصاً تحت ضغط الأزمات المعيشية.
رابعاً: اختراق خارجي كثيفتتكالب على الأرض السورية مشاريع أمنية واستراتيجية متعددة:• مشاريع إقليمية متضاربة تحمل أهدافاً طويلة المدى.• وجود قواعد عسكرية دائمة في الساحل والبادية.• عمليات عسكرية مستقلة لقوات مدعومة من تركيا في الشمال، وتحديداً في أساس مواقع متصلة بحزام العمال الكردستاني أو حلفائه.• عمليات استخبارية أمريكية مستمرة داعمة أو توجيه خطوط معينة خاصة بالعلاقات والتحالفات حول المنطقة.تدري هذه الفوضى في سوريا على عملية تصفية الحسابات، أو إعادة التموضع الجيوسياسي في ظل صراعات إقليمية داخلية.في المقابل، وعلى النطاق السوري، فإن حالة الحرب توقفت فعلياً،لكن مرحلة السلم ما زالت خاضعة لإعادة تقييم جديدة ومستمرة،يُرجّح أن تمتد لسنوات طويلة قادمة.سوريا ما بعد الأزمة تسعى لإعادة بناء التوازنات،ضمن اجتماعي لإعادة إنتاج الشرعية بأسماء جديدة وواجهات مختلفة.
◀ لا يمكن للدولة أن تكتسب شرعيتها وتحتكر العنف المشروع إلاعبر عقد اجتماعي جديد ودستور توافقي يقرّ بحقوق كافة المكونات• مخاوف من تجدد صراع الريف والمدينة، بكل ما يحمله من تدمير متبادل للثقة والموارد.• تصاعد صراع الأجيال في ظل انقطاع التعليم وانسداد الأفق الاقتصادي أمام الشباب، ما يغذي الهجرة والتطرف معاً.هذه التناقضات تجعل التحول من علاقة غلبة إلى علاقة تنسيقية - توافقية، ذات نفع متبادل بين الدولة والمجتمع، ضرورة لا ترفاً.
خامساً: سوريا إلى أين؟ من شرعية الغلبة إلى شرعية التوافق
١. الشرعية الداخلية: قوننة السلاح واحتكار العنف المشروعالتحدي الأكبر أمام الحكومة الراهنة يكمن في علاقتها بالفصائل المسلحة، الموالية منها والمعارضة. ففي الظروف السورية الراهنة لا يمكن اشتقاق الشرعية• لا من منطق الغلبة العسكرية وحده؛• ولا من شرعية خارجية تمنحها القوى الدولية أو الإقليمية؛• ولا من مشاعر اقتصادية لدى الأكثرية ترى أن ساعة انتقامها التاريخية قد حانت.
جوهر الشرعية الداخلية هو السلم الأهلي التوافقي.
وفي مناخ من التدخل الإقليمي الكثيف، لا يمكن للدولة أن تكتسب شرعيتها وأن تحتكر العنف المشروع إلا عبر عقد اجتماعي جديد ودستور توافقي، يقرّ بحقوق كافة المكونات، بما فيها الكتلة السنية المدنية المعتدلة الواسعة، التي تعرف سوريا بمدنيتها وطموحها الديمقراطي لا بهويتها العقائدية وحدها.كما في كل الحروب الأهلية، تخشى الفصائل من أن يقود نزع سلاحها إلى التهميش أو الانتقام أو نكث الوعود. ويتوقف النجاح هنا على قدرة الدولة على تقديم التزام موثوق، وعلى تصميم حوافز تجعل المشاركة في الدولة أكثر جدوى من الاستمرار في منطق الفصيل والسلاح.
٢. التناقضات البنيوية التي تواجه الدولةتواجه الدولة السورية جملة من التناقضات البنيوية التي تهدد مسار الانتقال• مخاطر العودة إلى نموذج الدولة المركزية العقائدية، بما ينتجه من برجوازية بيروقراطية جديدة تعيد إنتاج رأسمالية دولة احتكارية وفاسدة.• توترات بين المكونات المجتمعية والثقافية والدينية، بما فيها المكون السني المعتدل ذاته، حول توزيع السلطة والثروة والتمثيل.
سادساً: دور المملكة العربية السعودية والدول العربية في إعادة هندسة الحوافزكتبت حنة أرندت أن «أعظم الشرور يرتكبها أناس عاديون» لا شياطين استثنائيين، ويكتب ريمون أرون أن السياسة هي، في جزء كبير منها، فنّ تجنب الكارثة. أما توماس شيلنغ فيرى أن جوهر القوة هو القدرة على تغيير حوافز الآخرين أكثر من القدرة على إكراههم مباشرة.انطلاقاً من هذه الرؤية، يمكن القول ان السعودية والدول العربية تملك موقفاً فريداً للمساهمة في تغيير بنية الحوافز في سوريا، عبر خمس حركات رئيسية:
١. المصالحة الوطنية الطوعيةالتركيز على بناء مصالحة وطنية طوعية لا تقوم على النسيان القسري للجرائم، بل على الاعتراف والعدالة الانتقالية وتعويض الضحايا، مع دمج مدروس لبعض كوادر النظام السابق ضمن قواعد جديدة. تشكل هذه المصالحة مخططاً لإعادة دمج المجتمع وتعزيز الشرعية الداخلية، وربط قوننة السلاح بمسار أوسع للمصارحة والمسامحة المنظمة، لا الانتقام العشوائي.
٢. ضبط السلاح وقوننة العنف ودمج موثوقيكتب أرون أن السياسة هي فن تجنب الكارثة، وأن التحالفات تبنى عبر إدارة الاختلاف لا إلغائه. من هنا، تصبح مهمة ضبط السلاح وقوننة العنف ممكنة عبر ربطها بتدابير طويلة الأمد لطمأنة المكونات والكتل العسكرية، إضافة إلى تقنين الحوكمة المحلية في إطار دولة لا مركزية تقوم على أسس اقتصادية-جغرافية لا على محاصصة طائفية.
◀ الفصائل تتردد من نزع سلاحها خشية التهميش والانتقام ونكث الوعودويتوقف النجاح على التزام الدولة الموثوق وحوافز لضمان جدوى المشاركةفي هذا السياق يمكن لآليات عربية وأممية أن تقدم ضمانات لعملية الاندماج في الدولة، بحيث تصبح أكثر جدوى لجميع الفصائل من الاحتفاظ بالسلاح. وما لم تستطع الدولة أن تظهر أنها تحمي المحتجين السلميين كما تحمي أنصارها، وأنها قادرة على إدماج الاختلاف لا سحقه، فسيحتاج كل مكون إلى البحث عن «ضامن» خارجي، أو عن حماية ذاتية.
٣. إعادة تصميم الحوافز الدستورية والسياسيةتثبيت ضمانات دستورية ولا مركزية إدارية فعالة، ومشاركة حقيقية لجميع المكونات في مؤسسات الحكم والأمن، يمكن أن ينقل الجميع من منطق «الدفاع الذاتي» إلى منطق «المساومة» داخل بنية الدولة والدستور. هنا تأخذ فكرة شيلنغ معناها العملي: تغيير الحوافز بحيث يصبح الاستثمار في الدولة، لا في الميليشيا، الخيار العقلاني للمكونات المختلفة.
٤. سلعنة إعادة الإعمار وربطها بالأمن الشاملاستخدام أموال إعادة الإعمار الدولية والعربية كـ «حوافز مشروطة»، لا كشيك مفتوح؛ تُربط المساعدات بصيغ قابلة للقياس، مثل:• مدى التقدم في نزع سلاح الفصائل ودمجها؛• تحسن مؤشرات حقوق الإنسان وحماية الأقليات؛• توجه الاستثمار نحو قطاعات إنتاجية تولد عملاً وقيمة مضافة، بدلًا من إعادة إنتاج برجوازية طفيلية جديدة في العقار والخدمات الريعية.
٥. موضعة سوريا في هيكل أمني إقليمي يقوده العربرعاية عربية تدريجية ومشروطة - بقيادة سعودية وخليجية - يمكن أن تكرس استراتيجياً واقتصادياً انتماء سوريا للفضاء العربي، بدل الارتهان الطويل لقوى غير عربية. يساعد ذلك في خفض احتمالات التصعيد بحروب الوكالة، ويفتح أمام سوريا أفق اندماج في منظومة إقليمية متكاملة تحتل فيها موقعاً جغرافياً وديموغرافياً طبيعياً.
سابعاً: البديل الكارثي ومعضلة العمل الجماعيبديل عن هذا المسار التوافقي ماثل أمامنا: كل سلطة تقوم على غلبة عقائدية محكومة بأن تصبح رهينة لأمراء الحرب، علىالطريقة الليبيرية أو الصومالية: نقاط تفتيش خاصة، ضرائب محلية، ومحاكم عرفية، مع دولة مركزية ضعيفة وشرعية متآكلة.تكمن المشكلة هنا في معضلة العمل الجماعي: كيف يمكن احتواء الجميع سياسياً وطوعياً عبر حزمة حوافز وضمانات تجعل كل طرف مستفيداً من السلم الأهلي، مع وجود «ضامن» خارجي (عربي - أممي) يراقب ويحمي الاتفاق، دون أن يتحول إلى وصي دائم؟تبقى قضية الذاكرة والعدالة الانتقالية وحقوق المكونات ملفاً مؤجلاً وخطيراً في آن واحد. تأجيل آليات العدالة الانتقالية بلا أفق واضح يهدد بتحويل سوريا إلى نسخة أكثر هشاشة من لبنان بعد الحرب الأهلية: نظام محاصصة طائفي هش، برجوازية طفيلية تعتاش على الدولة، وسلاح ينتقل من يد إلى أخرى من دون أن يغادر الشارع.مع الاعتراف بأهمية الدعم الخارجي والدولي والعربي، تبدو المعادلة واضحة: لن تتحقق التنمية المجتمعية والاقتصادية إلا على أكتاف السوريين، في سياق اقتصاد حر نسبياً ودولة دستور وقانون.الوقاية هنا ليست أمنية فحسب؛ بل هي أولاً دستورية وسياسية واقتصادية: دستور توافقي، سلطة شرعية شاملة، اقتصاد منتج، وعدالة انتقالية تستعيد ثقة السوريين بدولتهم وبأنفسهم، وتعيد تعريف القوة من منطق الغلبة إلى منطق الشرعية التوافقية. https://araa.sa/index.php?option=com_content&view=article&id=8083:2025-12-29-10-05-37&catid=4904&Itemid=172




تعليقات