top of page
بحث

محاولة في الاقتصاد السياسي للصراعات العرقية والطائفية في سوريا ما بعد الأسد

  • صورة الكاتب: sara john
    sara john
  • 2 ديسمبر 2025
  • 1 دقيقة قراءة

تاريخ التحديث: 3 ديسمبر 2025




تُعَدّ سوريا من أكثر مجتمعات الشرق الأوسط تعدّداً عرقياً وطائفياً. وتضم هذه التعدديّة العربَ السنّة، والعلويين، والأكراد، والدروز، والمسيحيين، والتركمان، والشركس، والسريان، والآشوريين، والإيزيديين، وغيرهم؛ وتتوزّع هذه الجماعات بصورة غير متكافئة على الجغرافيا الوطنية، وترتبط بمجالات إقليمية واقتصادية مميَّزة. 

لا يشكّل التنوع بحدّ ذاته سبباً حتميّاً لعدم الاستقرار، لكنه يتحوّل إلى مصدر لصراع مزمن عندما يتجذّر في اقتصاد سياسي قائم على المحسوبيّة، واقتصاد الظل، واقتصاد حرب مستشرٍ.

لم يؤدِّ سقوط بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 وصعود أحمد الشراع رئيساً انتقالياً إلى حلّ هذه المعضلة، ولم ينجح في تخفيف حدّة هذه التوترات البنيويّة أو تفكيك منظومات الولاء القائمة.

تقدّم هذه الورقة محاولة لبناء حجّة مفاهيميّة وتركيبيّة تستند إلى أدوات التحليل المجتمعي والاقتصادي لاقتصاديات التخلّف في مقاربة الصراعات في سوريا وفي أقاليمها المختلفة. وتهدف، بهذا المعنى، إلى تقديم قراءة سياسية واقتصادية لعوامل التفكّك وعوامل اللحمة في البنية المتراكبة للمجتمع السوري، أفقياً وعمودياً، في مرحلة ما بعد الأسد.

تَرسم الورقة:أولاً، خريطة للتركيبة العرقية والطائفية في البلاد، ولتوزّعها الجغرافي، ولروابطها بالدول المجاورة (إيران، تركيا، إسرائيل).ثانياً، ملامح البرجوازية الوطنية المنتجة «غير الناضجة» التي لم تتبلور بعدُ كطبقة تكاملية شاملة قادرة على طرح برنامج وطني صاهر يفكّك الأساس الاقتصادي لمنظومات الولاء ما دون الوطنية ويعزّز اللحمة الوطنية.ثالثاً، دور اقتصاد الظل في إعادة إنتاج الحدود الطائفية وتمكين القوى الخارجية من استخدام المجتمعات السورية كأدوات نفوذ.رابعاً، الكيفية التي تقدر من خلالها برجوازية وطنية منتجة عابرة للطوائف على بناء اقتصاد سائد يحتل تدريجياً موقع بنية اقتصاد الظل واقتصاد الحرب، بما يغيّر هياكل الحوافز ويفكّك منظومات الولاء الإثني والعرقي والطائفي التي تُسخَّر لخدمة العصبيات، ويدعم مشروع دولة وطنية ذات ولاء جامع متماسك.

ورغم أن تناول البنية العميقة للاقتصاد السياسي للدولة السورية في السنوات الأخيرة من حكم بشار الأسد يبدو ضرورياً، لا تتوسّع هذه الورقة في ذلك، بل تحصر تحليلها المقتضب – والناقص بالضرورة – في تحوّلات الاقتصاد السياسي للفضاء السوري المقسَّم بعد انطلاق الثورة السورية عام 2011.

تميّز مسار سوريا منذ عام 2011 بديناميكيتين متشابكتين:

  • تعمّقُ التفكّك في منظومات الولاء الوطني.

  • تشكّلُ اقتصاد سياسي مجزَّأ يسوده، في معظم مناطقه، اقتصاد الظل واقتصاد الحرب على حساب الاقتصاد الوطني المنتج.

تعايشت الفسيفساء العرقية والطائفية في البلاد طويلاً مع هيكل دولة تهيمن عليه شبكات أمنيّة وبيروقراطية ضيّقة. وأدّت الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 على يد تشكيلات عسكرية جهادية، وتعيين أحمد الشراع رئيساً انتقالياً، إلى إغلاق فصل مهم من حرب أهلية استمرّت ثلاثة عشر عاماً.

ورغم ذلك، لم يتبدّد الاقتصاد السياسي الذي قام عليه النظام البعثي؛ بل استمرّت المحسوبيّة البيروقراطية، والفوارق المناطقية، والشبكات غير الرسمية للسلطة القائمة على اقتصاد الظل. وأعادت هذه البنى جزئياً الاندماج مع النخب الإسلامية والمحلية الجديدة، فخلقت نظاماً هجينا يتعايش فيه الفاعلون في اقتصاد الحرب واقتصاد الظل مع المتمرّدين السابقين والمنتفعين السابقين من النظام.

تتناول هذه الورقة ثلاثة أسئلة مركزية:

  • كيف تتقاطع التعدديّة العرقية والطائفية في سوريا مع اقتصادها السياسي وبيئتها المناطقية؟

  • كيف يستند اقتصاد الظل إلى آليات الولاء والعصبيات الطائفية والعرقية ليحافظ على الانقسامات الطائفية ويُطيل أمد الاختراق الخارجي؟

  • ما الشروط الضرورية لنشوء برجوازية وطنية منتجة حرّة تُشكّل قوة موحِّدة للأمة وللدولة السورية الجامعة، وتتجاوز الانقسامات العرقية والطائفية؟

ينطلق التحليل من منظور اقتصاد سياسي يستند إلى آليات نظرية الألعاب؛ إذ تستجيب الجهات الفاعلة المختلفة لتحوّلات البنية الاقتصادية، ويمكن للترتيبات المؤسسية أن تغيّر هياكل العوائد والفوائد بحيث تدفع البلاد إما نحو الوحدة أو نحو مزيد من التفكّك.

يتمثّل الادعاء المركزي للورقة في أن غياب برجوازية وطنية منتجة ناضجة عابرة للطوائف جعل المجتمع التعددي في سوريا عرضة بشدة للتجزئة الداخلية ولأدوات التدخل الخارجي، في سياق اقتصاد سياسي مبني على التخلّف وتضافر مجاميع اقتصاد الظل لدى مختلف الفاعلين بما يخدم ترسيخ واستمرار الصراعات بين السوريين.


2. التعددية العرقية والطائفية في سوريا

تُظهِر التقديرات المتاحة، في ظلّ امتناع السلطات الرسمية منذ زمن طويل عن نشر أرقام مفصلة بحسب العِرق أو الدين، صورةً تقريبية للبنية السكانية. ويُظهر تجميع أعمال فابريس بالانش، ومجموعة حقوق الأقليات، وآخرين، تكوينَ المجتمع السوري قبل الحرب على النحو الآتي تقريباً:

  • العرب السنّة: نحو 60–65%، ويتركّزون في معظم المدن والسهول الريفية.

  • الأكراد: يقدَّرون عادةً بـ10–16%، ويتمركزون في الشمال والشمال الشرقي (الجزيرة، كوباني، عفرين) وفي جيوب بحلب ودمشق.

  • العلويون: نحو 10–13%، ويتمركزون في الجبال الساحلية (اللاذقية، طرطوس) وبعض مناطق حمص وحماة.

  • الدروز: نحو 3–4%، ويتمركزون في محافظة السويداء.

  • المسيحيون (الأرثوذكس اليونانيون، السريان، الآشوريون، الأرمن، إلخ): شكّلوا سابقاً 8–10%، ويرجَّح أن نسبتهم انخفضت إلى بضعة في المئة بفعل النزوح والهجرة أثناء الحرب.

وتشكّل جماعات التركمان، والشركس، والإسماعيليين، والشيعة الاثني عشرية، والإيزيديين، إضافةً إلى مجتمع اللاجئين الفلسطينيين الكبير، كتلًا أصغر حجماً لكنها تمتلك وزناً اجتماعياً وسياسياً معتبراً.

تتموضع الأقليات جغرافياً في مناطق حدودية وطرفية: فيتمركز الأكراد والتركمان على الحدود التركية، ويتقاطع وجود الدروز مع حدود الأردن وإسرائيل، وتعيش مجتمعات مختلطة في الجولان، الأمر الذي يمنح الدول المجاورة نقاطَ دخول طبيعية إلى السياسة السورية.

استثمرت قوى خارجية عدة – منها العراق، وفرنسا، وبريطانيا، ومصر، والاتحاد السوفياتي، والولايات المتحدة، وإسرائيل – في هذه البنية الإثنو-طائفية المعقّدة بعد الاستقلال، وسعت إلى توظيفها في سلسلة الانقلابات التي انتهت بحكم حزب البعث العربي الاشتراكي، ثم بصعود نواة عسكرية وأمنية هيمن من خلالها حافظ الأسد على السلطة عام 1970.

ورغم الطابع العلماني المعلن لدولة الأسد، لم تنجح السلطة في تجاوز الانقسامات الطائفية والمناطقية؛ بل عزّزت في مراحل كثيرة هذه الانقسامات، سواء في عملية بناء الدولة أو في توزيع حصص الاستثمار المناطقي. وتعرّض الأكراد على سبيل المثال لإجراءات استثنائية مثل «التعداد الخاص» عام 1962 الذي جرّد كثيرين منهم من الجنسية، كما واجهوا قيوداً ثقافية ولغوية متواصلة.

أبقت هذه السياسات الصراعات والتمايزات متأجّجة كالجمر تحت الرماد، تحت «قشرة أمنية» هرمية تمثّل جوهرَها الحقيقي منظوماتُ ولاء قائمة على مصالح عابرة للطوائف والمكوّنات، ومستندة إلى اقتصاد الظل والفساد الحكومي. وتحولت الرشوة واقتصاد الظل إلى أدوات للقمع ولشراء الولاءات في ظل نظام يسعى إلى احتكار منافذ الحياة والتنمية كلّها في يده. وبذلك زَرعت هذه البنية بذور التعبئة اللاحقة التي انفجرت عبر شروخ النظام عام 2011.


3. الاقتصاد السياسي: المحسوبيّة، الفساد، واقتصاد الحرب

3.1 المحسوبيّة والبرجوازية البيروقراطية

لم يَحْكُم الاقتصادَ السياسي السوري، بحلول أواخر العقد الأول من الألفية الثانية، لا منطقُ الدولة الكاملة ولا منطقُ السوق الليبرالي. وعزّزت برامج «التكيّف الهيكلي» والخصخصة الجزئية وتحرير التجارة في عهد بشار الأسد فرصاً جديدة، سارعت البرجوازية البيروقراطية إلى اقتناصها عبر تسخير الدولة وممتلكاتها لمصلحتها. وخضعت قمم الاقتصاد لشبكات المحسوبيّة المرتبطة بالنخبة البيروقراطية الحاكمة، العابرةِ للطوائف شكلياً، لكن الفاشلةِ اقتصادياً والمستخدمةِ للاقتصاد كأداة قمع، ما خلّف مساحات واسعة من المجتمع مهمَّشة وغاضبة.

يصف بعض الباحثين، مثل قدري وسعد، هذا النمط بأنه «رأسمالية هجينة استبدادية»، حيث:

  • يعتمد الوصول إلى التراخيص والأراضي والائتمان على الولاء السياسي والشبكات المافيوية الشخصية.

  • ينتشر التهرّب الضريبي وسوء استخدام القوانين والمحسوبيّة على نطاق واسع، الأمر الذي يدفع الأعمال الصغيرة إلى الانزلاق تدريجياً نحو اقتصاد الظل.

ويتعمّق في هذا السياق عدم المساواة الإقليمي، ولا سيّما بين المراكز الحضرية الأكثر ازدهاراً والمناطق الريفية والكردية المهمَّشة. ويظلّ تشكّل الطبقات الاجتماعية غير مكتمل، بينما تُمعن البرجوازية البيروقراطية الطفيلية في التغلغل على حساب البنى الاقتصادية والاجتماعية الأضعف.

وتتراجع البرجوازية المدينية المنتجة، ويختار عدد كبير من روّاد الأعمال المحتملين إمّا الانخراط في شبكات فساد النظام وإمّا اللجوء إلى اقتصاد الظل. ويشكّل الولاء السياسي، في كثير من الحالات، الطريق شبه الوحيد إلى هذه القنوات، ما يعمّق الشعور بالتهميش الذي يتخذ غالباً طابعاً مناطقياً.

3.2 من اقتصاد مأزوم إلى اقتصاد حرب

تحوّلَت العلاقاتُ الاقتصادية في الأراضي السورية كافة بعد انتفاضة 2011 والعسكرة اللاحقة إلى نظام هجين تدحرج تدريجياً نحو اقتصاد حرب. ويمكن وصف بعض ملامحه على النحو الآتي:

  • تلتحق المناطق الطرفية عبر اقتصاد الظل بالدول المجاورة، وتتشابك مع شبكاتها التجارية والأمنية.

  • تتفكّك عملية الإنتاج، فتغدو دوائر الإنتاج والتوزيع محدودة جغرافياً (في نطاق بضع كيلومترات)، وتخضع بالكامل تقريباً لمصالح اقتصاد الميليشيات واقتصاد الحرب، وتتوزّع على خطوط نفوذ «أمراء الحرب».

  • تُنشأ سلطات محلية أنظمةَ ضرائب ورسوم شبه مستقلة.

  • تُدار نقاط التفتيش والحدود الداخلية والخارجية بوصفها مصادرَ ريع، وتتحوّل إلى أدوات ابتزاز.

  • تنمو بصورة هائلة تجارةُ اقتصاد الظل عبر الحدود مع تركيا والعراق ولبنان والأردن.

  • يتزايد الاعتماد على شبكات الحوالة والدولرة مع تآكل النظام المصرفي الرسمي.

  • تُظهر الدراسات حول الاقتصادات المحلية في إدلب وريف حلب ومنطقة الجزيرة أن البنية الاقتصادية أصبحت مجزّأة بشدّة، حيث تسيطر الجماعات المسلحة والمجالس المحلية وأمراء الحرب على مصادر دخل كبيرة من دون رقابة أو شفافية تُذكر.

  • تُرسّخ هذه العملية منظوماتِ ولاء إثنو-طائفية ومناطقية (كردية، تركمانية، إسلامية جهادية، موالية للنظام، إلخ) بدلاً من سوق وطنية موحّدة.


4. القوى الخارجية واستخدام البنى المجتمعية السورية

حَوَّلت هذه التحوّلات الاقتصادية والعسكرية الدولةَ السورية إلى ساحة تكسُّر للعصيّ الإقليمية والدولية، وجعلت من مختلف مناطق البلاد حقولاً متنافسة للنفوذ، وتحول أمراء الحرب إلى أدوات قمع وتنفيذ لهذا النفوذ.

أدّت عمليات مثل «درع الفرات» و«غصن الزيتون» و«نبع السلام» إلى إنشاء مناطق خاضعة لسيطرة أمراء حرب موالين لتركيا، تكافئهم أنقرة بامتيازات تجارية احتكارية عابرة للحدود، وساهمت هذه العمليات في تهجير أعداد كبيرة من الأكراد من الشريط الحدودي.

وجمعت إيران بين الدعم العسكري لنظام الأسد وتنمية الميليشيات والشبكات الدينية الموالية له، واستثمرت في العقارات والطاقة والاتصالات في المناطق التي يسيطر عليها النظام، ما غذّى بدوره المشاعر الطائفية.

وحاولت إسرائيل التأثير على المجتمعات في الأراضي المجاورة لها؛ ورغم أن انخراطها الاقتصادي أقل وضوحاً، شكّل عاملُ الأمن الإسرائيلي عنصراً حاسماً في حسابات المخاطر المتعلقة بأي تهديد محتمل من الميليشيات الإسلامية الجهادية.


5. البرجوازية البيروقراطية الفاسدة واقتصاد الميليشيات

كأساس للانقسام الإثنو-طائفي

تشير الأبحاث الحديثة إلى أن اقتصاد الظل واقتصاد الحرب ينافسان – بل يتفوّقان في بعض المناطق – على الاقتصاد الرسمي في قطاعات واسعة من سوريا. وتشمل الأنشطة المرتبطة بذلك تهريب الوقود والمواد الغذائية والأسلحة، وفرض الضرائب غير المشروعة على نقاط التفتيش، والتجارة غير المنظَّمة بمواد البناء والآثار.

وينظَّم هذا الاقتصاد على أساس إقليمي ومجتمعي، وتتحكّم به المجالس المحلية والقوى المسلحة عند المعابر وخطوط الأنابيب الرئيسية في أنحاء البلاد المختلفة، بينما تلعب المؤسسات الرسمية للدولة دوراً هامشياً في هذا السياق.

ويربط اقتصاد الظل بين الهوية ومصدر الرزق بقوة؛ إذ يعزز القادة الطائفيون والميليشيات الخطابَ الطائفي، ويسيطرون على منح فرص العمل والدخل في مناطقهم، فتساهم الإيرادات المحلية في تمويل المحسوبية وترسيخ الولاء للسلطات الفئوية بدلاً من الولاء الوطني. وطالما استمر هذا الهيكل، تحتفظ جماعات الهوية بحوافز قوية للحفاظ على التجزئة، لأنها تضمن من خلاله استمرارية قوتها الاقتصادية.

يقود هذا الواقع إلى مفصل استراتيجي تضع الورقة سوريا أمام خيارين رئيسيين:

  • أن تعيد السلطة إنتاج البرجوازية البيروقراطية الفاسدة، فتعيد معها إنتاج اقتصاد الظل، وتُسعِّر التعصّب والصراع الطائفي والعصبيات الإثنو-طائفية والإقليمية.

  • أن تنتقل السلطة تدريجياً إلى برجوازية وطنية منتجة تسحب الأساس الاقتصادي-السياسي للحرب الإثنو-طائفية، وتعيد توحيد البلاد بحيث يتحوّل الثراء والتنوّع العقدي والثقافي إلى مصدر جذب وازدهار اقتصادي وثقافي شامل، في إطار ضمانات دستورية لدولة لا مركزية موحَّدة وجامعة.

ولا يمكن أن تنجح عملية إعادة الإعمار من دون الاعتماد على الشركات الصغيرة والمتوسطة المختارة وفق معايير شفافة ومفتوحة للجميع، بدلاً من إعادة إنتاج تكتلات اقتصاد الحرب المافيوية.


6. البرجوازية الوطنية المنتجة

يُفهم هنا مفهوم البرجوازية الوطنية المنتجة بوصفه طبقةً مستقلة قوامها روّاد الأعمال والشركات العابرة للطوائف والإثنيات، التي تعمل وفق قواعد متوقَّعة، وتستطيع التعبير عن مصلحة جماعية في الاستقرار، وتنفيذ العقود، وتوسيع الأسواق المفتوحة.

شكّلت هذه الطبقة، في تجارب عديدة للخروج من الحروب الأهلية في بلدان أخرى، العمودَ الفقري لمسار الانتقال من «سياسة الهوية» إلى «سياسة الأداء»، بما دفع النخب نحو دولة المؤسسات والانتماء الوطني.

تستمرّ هذه البرجوازية الوطنية المنتجة في سوريا في طور إعادة التشكل حول اقتصاد وطني منتج، في مواجهة محاولات إعادة تكوين البرجوازية البيروقراطية الفاسدة. وكان تجّار دمشق وحلب قبل الحرب فاعلين ومؤثّرين، لكن اقتصاد الحرب والفساد والميليشيات سحَق أعمالَهم وسحقهم كطبقة اجتماعية.

وتشكّل عواملُ عدّة – من الاستبداد السلطوي السابق، والإقصاء الإقليمي والعرقي، إلى تدمير رأس المال وهروبه خلال الحرب – أسباباً رئيسية لشرذمة القدرات الإنتاجية في البلاد، حيث تفكّكت المصانع والبنية التحتية والمهارات. كما خلقت العقوبات الدولية وحالة اللايقين مخاطرَ عالية دفعت الاقتصاد أكثر فأكثر نحو اقتصاد الظل.

وفيما يشكّل اقتصاد الظل مرتكزاً أساسياً للصراعات الإثنية والطائفية، تحتاج البلادُ إلى بناء اقتصاد لا مركزي محلي، خصوصاً في المدن، يسمح للشركات بالتوظيف عبر الخطوط المجتمعية، ويُضعِف تدريجياً التقسيم الطائفي والعرقي في أسواق العمل. ويمكن لرجال الأعمال السوريين – في إطار برجوازية وطنية منتجة – أن ينشئوا تنظيمات موحّدة وآلياتِ حماية لحقوق الملكية تضمن معاملة متساوية للمواطنين بغضّ النظر عن الدين أو العِرق.

وتتيح قيادة البرجوازية الوطنية المنتِجة إعادةَ صياغة التجارة عبر الحدود بحيث تتحوّل من أداة لتغذية اقتصاد الميليشيات الحدودي إلى رافعة للتكامل الاقتصادي الإقليمي، ما يرفع كلفة الفرصة البديلة للصراع لدى مختلف المجموعات، ويجعل استراتيجيات الهوية الصدامية أقل جاذبية من الاستراتيجيات الوطنية الجامعة القائمة على اقتصاد السوق.

ويواجه هذا المشروع عقبات هائلة؛ إذ تعمل النخب الراسخة في اقتصاد الحرب على تسعير الكراهية الطائفية وحمايتها، لكن من دون شكل من أشكال هذا التحوّل البنيوي تخاطر سوريا بالتفكّك اقتصادياً وديمغرافياً وسياسياً.

ولا تمثّل التعددية العرقية والطائفية لعنةً بحدّ ذاتها على سوريا. لكن غياب برجوازية وطنية منتجة ناضجة عابرة للطوائف، في ظل حكم البعث وخلال سنوات الحرب معاً، سمح بأن تبقى صراعات الهويات الثانوية هي المبدأ المنظِّم الأساسي للسلطة والربح. وقد غيّر سقوط الأسد المشهد السياسي، لكنه لم يغيّر بعدُ الهياكل الاقتصادية الأساسية؛ إذ يستمرّ اقتصاد الظل في دعم كثير من بنايات السلطة الطائفية، ويوفّر نقاطَ دخول متعدّدة لإيران وتركيا وإسرائيل وغيرهم لممارسة نفوذهم عبر الجماعات السورية.

يستخلص المقال أن مشروع بناء الأمة في سوريا لا يمكن أن ينجح من دون إعادة تأسيس اقتصادية عميقة. ويغدو بناء برجوازية وطنية منتجة حقاً – قائمة على الشمولية، وسيادة القانون، والأسواق العابرة للمجتمعات – ليس مهمةً تكنوقراطية هامشية، بل مشروعاً سياسياً مركزياً.

فقط مثل هذا التحوّل يستطيع أن يُذيب تدريجياً الحدود العرقية والطائفية الصارمة في هوية مدنية سورية أكثر شمولاً، وأن يقلّل جاذبية المحسوبيّة والتبعية الخارجية، وأن يوفّر الأساس المادّي لاستقرار تعدديّ دائم.

 
 
 

تعليقات


© 2020 مجموعة إنسايت الاستشارية

  • LinkedIn Social Icon
  • Twitter Social Icon
bottom of page