top of page
بحث

لا يملك المنجل أن يختطف الحصاد

  • صورة الكاتب: sara john
    sara john
  • 17 ديسمبر 2025
  • 4 دقيقة قراءة

سمير التقي

لا يملك الحصاد أن يدّعي ملكية الحقول، كما لا تملك البندقية أن تنسب إلى نفسها معنى الثورة. فالأدوات تُستعار، أما الأرض والزرع والدم والوجع، فهي ملكٌ لأصحابها وحدهم.

بدأت معركة السوريين من أجل الحرية والديمقراطية والمدنية يوم صعد أبطال السادس من أيار خشبة المشانق العثمانية في دمشق وبيروت، وحين تحالف رجال سوريا ونساؤها لصوغ عقد وطني تعددي في مواجهة الاحتلال الفرنسي، وحين وقف الشعب السوري، مرة بعد أخرى، في وجه العدوان الإسرائيلي. وبهذه المعادلة يمكن قراءة تاريخ الجمهوريات العربية منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية البائدة.

فعندما صعد إلى السلطة أمراء حرب يرتدون عباءة الثورة والعقيدة، وراحوا يحكمون باسم «الاشتراكية» أو «القومية» أو «الإسلام الثوري»، أدخلوا البلاد في عصر متكامل من الاستبداد الدموي والهيمنة الميليشياوية. ومنذ ذلك الحين، صار تداول السلطة يتم بين «ثوريين» عقائديين، من قوميين إلى ماركسيين إلى إسلام سياسي، يعبرون فوق جسر من الخراب وبحار من الدماء، مستندين إلى شرعية الأسطورة الثورية القومية أو الدينية، وحاكمين بالقمع وتدمير نسيج المجتمع والمدنية.

وهكذا تحوّلت دول عربية عديدة — من سوريا إلى لبنان والعراق واليمن والسودان وليبيا وغيرها — إلى نماذج للجمهوريات الميليشياوية، وانقطعت عن مسار التحديث، وأصبحت حاضنة لفشلٍ مزمن، واقتصاد ريعي طفيلي، وبرجوازية بيروقراطية تعيش على الفساد والاحتكار لا على الإنتاج والعمل. وبهذا المعنى، تثبت التجربة المباشرة لشعوبنا أن كل نظام عقائدي مغلق هو فاسد بالتعريف، مستبد بالضرورة، وفاشل بحكم الواقع.

فعندما تعلو راية العقيدة على راية الإنسان، يغدو المجتمع مجرد مادة خام في يد السلطة، ويُختزل الوطن إلى ثكنة، والمدينة إلى معسكر، والمواطن إلى رقم في سجلات الأمن والمخابرات.

وحين اندلعت الثورة السورية، لم تنفجر فقط في وجه سلطة «البعث» بوصفه حزبًا حاكمًا، بل ثارت على النموذج كله: على «الثوريين العقائديين» وأمراء الحرب، وعلى كل سلطة تزعم احتكار الحقيقة وتواجه حرية الفكر والديمقراطية بالعنف والتخوين والسجون. كانت الثورة، في جوهرها، إعلانًا عن نهاية شرعية المنجل والبندقية في تقرير مصير الحصاد السوري.

لم تبدأ الثورة السورية في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ولم تنتهِ في الثامن من كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، كما يطيب للبعض أن يدّعي، وكأن التاريخ يُختزل في مواعيد التفاوض أو الانقلابات داخل الغرف المغلقة. ولم تبدأ حتى في 15 آذار/مارس 2011، يوم خرجت التظاهرات الأولى في درعا ودمشق وحمص. إنها أقدم من ذلك بكثير.

تجلّت الثورة عندما شلّت إضرابات تجار دمشق وحلب أرجاء البلاد في ستينيات القرن الماضي دفاعًا عن حرية السوق والمبادرة الفردية، وعندما واجه مناضلو «إعلان دمشق» السلطة بصدورهم العارية، فكانوا العين في مواجهة المخرز، مشيرين إلى طريق سوري مختلف: طريق دولة مدنية ديمقراطية متصالحة مع نفسها.

لهذا كلّه، ليست هذه الثورة، ولن تكون، ملكًا لأمراء الحرب. إنها ملك لنزار قباني، ولمحمد الماغوط، ولرياض الترك، ولمشعل تمّو، ولعبد العزيز الخير، ورجا ناصر، ولسواهم من المناضلين. وهي ملك لكل مناضل سوري توارى في حواري دمشق وحلب وحمص وجبلة وسواها، وقطع الليالي على الدروب الوعرة في ريف حماة وإدلب وعفرين وجبل العرب وجبال العلويين والجزيرة السورية.

وهي ملك لكل من قضى في أقبية التعذيب والإبادة البعثية–الأسدية، وملك لأسرٍ كاملة دُمّرت بيوتها لأنها قالت «لا» في وجه سلطة المخابرات، ولبسطاء حموا جيرانهم من البطش والانتقام الطائفي، ورفضوا أن يتحولوا إلى مخبرين أو بيادق في لعبة القمع.

وهي أيضًا ملك لكل رجل دين متنور، من شيخنا الراحل جودت سعيد إلى الدكتور محمد شحرور، مرورًا برتل طويل من أعلام التنوير والتحضّر الإسلامي، ممن سعوا ووجدوا في الإيمان طريقًا للحرية والكرامة. وملك لكل موظف سوري بسيط حاول حماية الناس من عسف السلطة، ولكل رجل دولة آمن بأن الوظيفة العمومية خدمة لا غنيمة، فعمل بصمت على تفكيك دعائم الاستبداد من داخل المؤسسات حتى غدت السلطة كيانًا مجوّفًا بلا جذور.

وحين ذُبح السوريون على يد مقصلة الإرهاب الداعشي وسائر تنظيمات الجهاد المتوحش، لم يتردد الوطنيون السوريون في تكفير هذا الإرهاب بالفعل لا بالشعارات، وقدموا تضحيات هائلة في قتال «دولة الخلافة» ومشتقاتها. كثيرون منهم قاتلوا على جبهتين في آن واحد: جبهة الاستبداد وجبهة التوحش الديني، كي لا تذوب الهوية السورية في عقائد طارئة متعطشة للدم.

ومنذ انتفاضة آذار 2011، تواطأ نظام الأسد، ومعه الشرق والغرب، على تفريغ الثورة من مضمونها وتحويلها إلى مذبحة لا تكتفي بالقتل والتدمير، بل تقطع جذور النسيج الوطني السوري وتعيد هندسته على مقاس القوى المتحاربة. واستمر النزيف حتى غدت سوريا مرتعًا لأمراء حرب من كل أصقاع العالم، ومسرحًا لتجريب الأسلحة والعقائد والتحالفات.

ثم جاءت التحولات الدولية الكبرى — من الحرب الأوكرانية إلى تصاعد المواجهة الإقليمية بعد السابع من أكتوبر، مرورًا باهتزاز التفاهمات مع روسيا وتوتر العلاقة بين إيران والغرب — لتسرّع عملية إعادة ترتيب «الملف السوري» على طاولة القوى الإقليمية والدولية.

عندئذٍ، اصطف المندوبون الساميون الجدد من عواصم غربية وإقليمية لرسم خرائط «الانتقال» في سوريا، كما فعل لورنس العرب من قبل. وتقاطَر الوسطاء والموفدون، من سياسيين غربيين إلى جنرالات ودبلوماسيين أتراك وإقليميين، لإدارة الانهيار في الأسابيع الأخيرة من عمر العائلة الحاكمة، وللإشراف على توزيع مناطق النفوذ والوصاية على بلد أنهكته الحروب.

وهكذا أصبحت سوريا تدريجيًا تحت وصاية إقليمية–دولية متشابكة، وفضاءً مفتوحًا لصراع مستقبلي بين القوى الكبرى. فحُيّدت إيران، وشُلّت سلسلة الأوامر في الجيش، وكان ذلك «النصر الكبير». غير أن سوريا اليوم، بعد السقوط المدوي للأسد، تقف أمام تحدٍّ وجودي أعمق وأفدح، مع دورة جديدة من الوصاية والسلاح والتفكك.

لم تبدأ الثورة السورية في منتصف نوفمبر 2024، ولم تنتهِ في الثامن من كانون الأول من العام نفسه. إذ لا يملك المنجل أن يختطف الحصاد. والحصاد الحقيقي هو دولة مدنية ديمقراطية، يتساوى فيها المواطنون أمام القانون، ويُعاد فيها بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية لا ريعية، وتُسترد فيها السياسة من يد الميليشيات والأجهزة إلى يد المجتمع الحر.

ودون ذلك، تبقى قضية الثورة مفتوحة.فلمن يكون الحقل؟ ولمن يكون الحصاد؟

 
 
 

تعليقات


© 2020 مجموعة إنسايت الاستشارية

  • LinkedIn Social Icon
  • Twitter Social Icon
bottom of page