top of page
بحث

ما الذي يفعله أحفاد لورنس العرب بالجسد السوري؟

  • صورة الكاتب: sara john
    sara john
  • 18 يناير
  • 4 دقيقة قراءة

سمير التقي،

يُروى عن تشرشل قوله: "لا أحد يستطيع حكم سوريا، ولا يمكن لسوريا أن تحكم نفسها". وهكذا، قبل سايكس بيكو وبعدها، تسري بقوة هذه العقلية في التعامل مع سوريا حتى اليوم!

وعملا بما تقوله العديد من المراجع الغربية، لا يزال المستشرقون والدبلوماسيون الغربيون يقرأون سوريا بوصفها فضاءً لقوم ليسوا جديرين ببناء دولتهم الخاصة، قوم لم يتمدنوا ليصيروا دولة امة، بل هم طوائف وقبائل وعوائل لا يوالون الا عصبياتهم الضيقة.

لذلك، فاما ان يوحدهم دكتاتور عقائدي مفوض دوليا، ليتولى ضبطهم بالحديد والنار، أو أن تتقاسم بلادهم، قوى الهيمنة الدولية ودول النفود الاقليمي، ليجري التعامل مع سوريا من جديد كموضوع للصراع وك «ملفٍّ لإدارة الأزمات».

تساعد الوقائع الأمنية في توضيح هذا الميل: ففي ديسمبر/كانون الأول 2025 وقع هجومٌ على دورية مشتركة أميركية–سورية قرب تدمر، وتبيّن وفق تحقيقات رسمية وتصريحات أن المنفّذ كان من عناصر الأمنٍ الشخصي للقصر الجمهوري. بالنسبة لبريطانيا وللإدارة الامريكية، لم يكن الحادث مستبعدا، بل كان المكتوب ظاهراً من عنوانه! ويعلم ذلك تماما، جوناثان بأول إلى توم باراك قبل غيرهم.

لذلك جاءت «لحظة باريس» لتكشف هذا المزاج بوضوحٍ فاضح. كان لابد لواشنطن من الحصول على يد العون من وكلائها الإقليميين لضبط الفضاء السوري.

ذلك ان مفاوضات باريس 5–6 يناير/كانون الثاني لم تكن الا شاهدا على ذلك. نعم لم تكن هذه المفاوضات مجرد محطةً دبلوماسية تفاوضية عابرة، بل كانت خطة لتقسيم سوريا، وبروتوكولاً لتقسيم العمل بين الدول المتدخلة.

إسمياً، كان هدف اجتماع باريس استئنافٌ المحادثات الأمنية، وخفض التوتر مع اسرائيل، وإحياء ترتيباتٍ «فكّ الاشتباك» القديمة.

لكن أسماء المشاركين وتسريبات الدبلومسايين الامريكان والفرنسيين كانت كاشفة أكثر بكثير من العبارات. المباحثات كانت استراتيجية واهم من ذلك بكثير.

مثل الجانب السوري وزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس الاستخبارات حسين السلامة، لكن الفريق الإسرائيلي كان فريقا وازناً، ضمّ سفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل لايتر، والسكرتير العسكري لرئيس الوزراء رومان جوفمان، والقائم بأعمال مستشار الأمن القومي جيل رايش، فيما شارك الأميركيون بأوزان ثقيلة أيضا: من ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، ثم تولّى توم باراك ترتيب المائدة وتحضير التفاصيل. والاهم من كل ذلك أن حقان فيدان وقف في باريس خلف الكواليس حارسا للمصالح التركية!!

لم يكن اجتماع باريس عاديا قط! لكنه لم يبشر لا بسلام ولا حتى هدنةً نهائية بين الفرقاء الاقليميين:

1.     إنشاء خلية تنسيق «Fusion cell» بإشراف أميركي لتبادل المعلومات الاستخباراتية، وربط الأمن بالدبلوماسية.

2.     والأهم «منطقة اقتصادية منزوعة السلاح» تفتح مسارات تعاونٍ «مدني» (الطاقة والزراعة والصحة) تكون ضمانة لاشراف إسرائيلي مديد على الجنوب السوري وصولا حتى التنف.

3.     لم تتنازل إسرائيل في باريس ملمتر واحد من مطالبها الأمنية والسيادية في الزراضي السورية: جنوب مُعقّم أمنيًا، وبتفويضا يصل حتى حدود دمشق، دون ان يتضح بأي شكل مصير جبل الشيخ وتثبيتًا لما فرضته القوة بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، حين تقدمت القوات الإسرائيلية داخل المنطقة العازلة التي أنشأها اتفاق 1974.

وبعد ذلك: توج الشيباني موقف الحكومة السورية بتصريح علني يضع جولان جانبا دون تفاوض ودون أي مقابل. لكنه شدد أيضا على ضرورة انسحاب اسرائيل إلى ما قبل حدود 8 ديسمبر 2024.

وكالعادةً، وكما في مفاوضات فرساي 1918 التي تم فيها تقاسم الشرق الأوسط، وإطلاق علمية سايكس بيكو، كان هامشُ محادثات باريس أهم من متنها!

وتماماً كما في فرساي، لم يحضر الجميع على الطاولة. وفي هذه الحالة، اعترضت إسرائيل على حضور تركيا بعد مفاوضات باكو. وكان الحل الذي اخرجه كوشنير - ويتكوف لاغلاق الدائرة الاستراتيجية للمفاوضات، ان لا تجلس تركيا على الطاولة الثلاثية، بل يبقى ظلها يطل من بين الكواليس! فلقد التقى الشيباني بحقان فيدان، وحرص الطرفان على الإشارة للدور الذي ضمنته أنقرة في هذه القسمة الإقليمية الا وهو شمال غرب سوريا.

بعد ان شرع بشار الأسد أبواب سوريا لشتى الدول المناصرة له ضد شعبه، من كوريا الشمالية لروسيا، لإيران، وأمريكا، لم يحتج المراقبون لمفاوضات باريس لكثيرِ من الخيال كي يستنتجوا ان ما يتشكل اليوم هو سوريا جديدة، مقسمة، كفسيفساء لنفوذٍ الدول المتدخلة.

لعل ذلك يوضح تسارع الأحداث في حلب التي لا تبدو اكثر من تفصيل في هذه الصورة. فبعد أيام قليلة من «تفاهمات الجنوب» في باريس، انفجرت في شمال حلب اشتباكاتٌ انتهت بإجلاء المقاتلين والمدنيين من اهلنا الكورد. لم تكن تلك مجرد نوبةِ عنفٍ محلية؛ بل إعلانًا ورعبونا التقطته تركيا في سياق مواثيق باريس.

فشمال غرب سوريا خاصع تماما للنفوذ التركي: دمجٌ مؤجَّل، سيطرةٌ مُتنازع عليها، وحدودُ نفوذٍ تتشكل بالنار وبالمسيرات وبالتفاهمات الدولية. ليصبح الشمال الغربي ملعبًا تتماهى فيه على الأرض السيادة السورية مع السيادة التسييد التركي الفعلي.

بدوره يتجه الجنوب، نحو «ترتيبات خاصة» تحت مظلة تفاهمات أمنية برعاية واشنطن وبدور بحساسية إسرائيلية قصوى. أما في شرق الفرات حيث وحيث استقرت الإدارة الذاتية وترسخت تجربة الحوكمة الكوردية، فتحتفظ الولايات المتحدة وشبكة التحالفات الدولية الراعية. يبقى الساحل السوري، منطقة رمادية مؤجلة غير محسومة بعد لكنها حتما غير منسية.

وسط هذا كله، يعود كوشنر لسؤاله المفضّل: ما جدوى الانخراط المباشر؟ طالما انه بالإمكان تكليف الوكلاء الاقليميين بضبط "هذه البلاد العاثرة".

فلا ملكية للسوريون على مصيرهم ولا على نموذج حياتهم وشكل دولتهم. وبعد ان صار التفاوض مع الغرباء، أهون ألف مرة من التفاوض مع اهل البيت المختلفين عنا، لا يهم ما الذي يبقى من سلطة لدمشق علي الأراضي السورية في نهاية الأمر، المهم ان نقيم حكم الله في أرضه!

هكذا كان امر تقسيم غزة والضفة، وكذا كان تقسيم السودان وجنوبه، ثم اليمن وجنوبه، ثم ليبيا شرقا وغربا ثم ... لتنطلق من جديد في سوريا لعبة الكراسي الموسيقية في صراع دامٍ قوده السوريون.

لا يأتي الاحفاد الجدد للورنس الجدد من توم باراك لجوناثان، باول بجيوشٍ ولا برايات، هذه المرة، بل يأتون "بخلية تنسيق" متواضعة يتوازع فيها مع الأمريكان، وكلاؤهم الإسرائيليون والأتراك وربما الفرنسيون والروس غنائم توافقات باريس، لتدخل سوريا دورة صراع وتقسيم جديد.

في نهاية الامر حتى هذا السيناريو الذي قدمته أعلاه لا يبدو نهائيا، اذ لا تزال دورة الصراع الدولي والإقليمي في أولها.  https://annah.ar/269223

 
 
 

تعليقات


© 2020 مجموعة إنسايت الاستشارية

  • LinkedIn Social Icon
  • Twitter Social Icon
bottom of page