top of page
بحث

إذ تريد إسرائيل أمناً، فلتكفّ عن استباحة لبنان النازف

  • صورة الكاتب: sara john
    sara john
  • قبل يومين
  • 4 دقيقة قراءة

يتفاوض لبنان النازف تحت القصف، وتمعن إسرائيل صلفاً فيما تطالب الدولة اللبنانية بالالتزام والتنفيذ... لعل من المفيد أن يكون ثمة دور لفرنسا أو لمصر ولدول عربية خليجية في المرحلة الثانية. سيحدّ ذلك من الاستفراد الإسرائيلي، ويخفف تذبذبات السياسة الأميركية كي لا يكون التفاوض، كما في المثال السوري، "بالوعد يا كمون"! يتفاوض لبنان النازف تحت القصف والدمار والإنهاك، وتمعن إسرائيل صلفاً فيما تطالب الدولة اللبنانية بالالتزام والتنفيذ.


على فداحتها، لا يقتصر الأمر على بُعد المأساة الإنسانية، بل يمتد إلى مصير الدولة وبنيتها؛ إذ تستهلك المفاوضات تحت النار الدولة ذاتها التي يُفترض أن تكون رأس الحربة في تحقيق السيادة الوطنية واحتكار العنف. بذلك لا يبقى ثمة معنى لأي اتفاق! ولعل هذا ما تريدهإسرائيل: التفكك والتفسخ لصالح الميليشيات والفوضى.


 

وعندئذ لا تنتهي الحرب، بل تتبدّل صورتها لتصبح حرباً داخلية وخارجية، سرعان ما تنخرط بها إسرائيل من جديد.تتطلب المفاوضات قدرًا كبيرًا من الجرأة السياسية للنخب الوطنية اللبنانية. إذ لا تفيد المفاوضات تحت وقع الشعارات والخلط بين الصمود اللفظي والحكمة الوطنية وحسن التقدير. فقوة الدولة واستتبابها شرط سابق لتحقيق الأمن المستدام للجميع.ثمة دروس نستشفها من المفاوضات السورية-الإسرائيلية الفاشلة.الأول منها: أهمية تثبيت قوة الدولة كمقدمة لتثبيت التزاماتها. فلقد أتيح لحافظ الأسد، قبل وأثناء وبعد المفاوضات، أن يصفي كل القوى التي يمكن أن تزعزع التزاماته، ليؤمّن الصمت الكامل لجبهة الجولان، ويُثبّت قدرته على ضبط النشاطات المعادية لإسرائيل من الأراضي السورية. لكنه قصر في التوصل لصيغة صريحة لتثبيت الحقوق السورية في الحدود بما في ذلك مزارع شبعا. ثم، ولأن السلام كان ناقصاً، سرعان ما غامر، تحت ضغط سياساته العقائدية، باستخدام الفراغ اللبناني ليعيد تفجير الأمور، الأمر الذي ارتدّ على سوريا، في نهاية الأمر، بالقضاء على أي أمل قريب لاستعادة الجولان وتحقيق سلام مشرّف بين الطرفين في المدى المنظور.لذلك كان من المفترض في التفاوض السوري أن يثبّت، بصورة علنية وقانونية ودولية، حدود الطرفين مع بداية المفاوضات، مع تفهّم حقيقة أن إسرائيل لن تنسحب إلا إذا تحققت شروط محددة متعلقة بأمنها.

 

لو تم ذلك في المثال السوري، لقطع الطريق على ضم الجولان واعتراف الولايات المتحدة به، وهو ما جاء بطلب من إسرائيل.ثانياً: فيما لا تزال الإدارة الأميركية تبدي تمسكًا، ولو إسمياً، بوحدة لبنان وتجنيبه دورة حرب أهلية جديدة، يصبح الهدف التالي، الممكن والملح: فصل الساحة اللبنانية عن الاشتباك الإقليمي، وفرض وقف فوري للنار على حزب الله. وفي المثال السوري، تهرّب الأسد من التزاماته عبر تنمية الميليشيات في الساحة اللبنانية. قد يتطلب تحقيق ذلك مساعدة قوات دولية - اليونيفيل - التي يفترض التحضير لتوسيع صلاحياتها وقواعد الاشتباك وساحة عملها تدريجيًا. كل ذلك مقابل الوقف الكامل للعدوان الإسرائيلي عبر آليات واضحة موثقة، ومسار عملي لاستعادة سلطة الدولة في الجنوب.

 

وهنا لا تكمن العقدة الحقيقية، في نقص الصيغ، بل في نقص الالتزام الموثوق. لذلك يصبح اللجوء إلى مجلس الأمن لإقرار الاتفاقات في كل مرحلة من المراحل، وتثبيت الحدود، شرطًا مؤسسًا لتحقيق ذلك، لمنع إسرائيل من العودة لاستباحة لبنان عند أول تحول أو فرصة.

 

فأصلب ما يملكه لبنان هنا هو القانون الدولي ومنطق القرارات الأممية: تثبيت الحدود، وخلق ساحات تفاوضية ثابتة، لتجنب سوء التقدير وفرض قرارات دولية ترسّخ حقوق الدولة اللبنانية، وتضمن وقف الأعمال العدائية، وحماية المدنيين، واحترام السيادة، وتعزيز دور الجيش اللبناني بمساعدة دولية. تسمح الشفافية المطلقة للبنان، وبعيدًا عن منطق الشعارات، بتحقيق لغة تفاوضية جامعة، تستند إلى آليات مشروعة للرقابة والتحقق، وتحمّل الطرف الإسرائيلي كلفة سياسية إذا أصرّ على محاولاته لتقويض الدولة أو تثبيت التهجير.

 

ثم لعل على لبنان أن يقول بوضوح ما تجاهله كثيرون: إن انهيار الدولة اللبنانية لا يجعل إسرائيل أكثر أمنًا، بل أقل أمنًا. ويعود الجنوب ساحة فراغ تنقل الفوضى نحو شمال الليطاني، وتتكاثر فيه الفوضى وشبكات التصعيد غير المنضبط. فمن المؤكد أن ما يبدو لإسرائيل، في المدى القصير، حلًّا عسكريًا ناجزًا، سينقلب حتمًا، في المدى الأطول، إلى استنزاف مزمن: توغلات متكررة، وضغط دولي متصاعد، وربما احتلال لا يريد أحد أن يعترف باسمه.ثالثاً، ومن باب العبرة التفاوضية، كانت الثغرة في التجربة السورية الفاشلة تكمن في غموض الصياغات، والاتكال على تفاهمات شفوية أوكلت للولايات المتحدة لتقديم ضمانات ملتبسة، تموت مع نهاية ولاية كل رئيس أمريكي، لتعود من جديد دورة الانفجارات.

 

فضّل حافظ الأسد الغموض والتفاهمات السرية كي يحتفظ بالشعارات الظافرية والشرعية الثورية العقائدية كتعويض عن نقص الشرعية الداخلية. فكثرت التفاهمات، وغابت النصوص القانونية المعلنة والملزمة دوليًا، وأتاحت لإسرائيل وعودًا في الهواء، وباعت بعض الزمن لنظام الأسد، لكنها اشترت أرضًا على المدى الطويل.رابعاً: لا ينبغي حاليًا، أن يبدد لبنان وقته في التفاوض على “الوضع النهائي” فيما البيت اللبناني يحترق. الأولوية لإيقاف النزيف. يقتضي ذلك أن يتم الاتفاق على مرحلتين واضحتين: مرحلة عاجلة تثبّت وقفًا متبادلًا وقابلًا للتحقق للأعمال العدائية، وتضمن عودة المدنيين، وتسرّع حضور الجيش اللبناني في الجنوب تحت رقابة ومشاركة من قوات دولية. فالمهمة المركزية الآن هي تثبيت وتمكين الدولة اللبنانية. والدولة هنا ليست تفصيلًا تفاوضيًا، بل شرطها الأول والأخير وآلتها الوحيدة. وفي لحظة كهذه، لا يبدو وقف النار المنفصل تراجعًا، بل آخر ما تملكه الدولة العاقلة.

 

مرحلة ثانية تعالج السحب الكامل للسلاح، والترتيبات الحدودية، والإعمار، والتعويض، في مراحل أبعد وأكثر واقعية.خامسًا: على عكس مسار السلام مع مصر والأردن، كان تأجيل المرحلة الثانية والنهائية في السياق التفاوضي السوري-الإسرائيلي السبب الرئيسي لعودة الانفجار وخسارة الجولان. فلقد توافق حافظ الأسد مع ذلك، أملًا في مكاسب لاحقة، وتوافقت إسرائيل مع ذلك أملًا في الاستيلاء على الجولان. لذلك يفترض أن يشمل الجدول التفاوضي مرحلة ثانية تتم في زمن محدد، بعيدًا عن منطق الشعارات وقطعًا لدابر الأطماع الإسرائيلية.خامساً: تشكل وديعة رابين في المفاوضات السورية-الإسرائيلية الفاشلة مثالًا على خطر غياب الشفافية والتوثيق، وكان عدم الوضوح الإعلامي سببًا في التفريط بالجولان. كان كل ذلك نتيجة حصر كل سياقات التفاوض بين حافظ الأسد والولايات المتحدة - كيسنجر.

 

لذلك لعل من المفيد أن يكون ثمة دور لفرنسا أو لمصر ولدول عربية خليجية في المرحلة الثانية. سيحدّ ذلك من الاستفراد الإسرائيلي، ويخفف تذبذبات السياسة الأميركية كي لا يكون التفاوض، كما في المثال السوري، "بالوعد يا كمون"! رابط المقال https://www.annahar.com/articles/annahar-writers/299334/%D8%A5%D8%B0-%D8%AA%D8%B1%D9%8A%D8%AF-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D8%A3%D9%85%D9%86%D8%A7-%D9%81%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%81-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%AD%D8%A9-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B2%D9%81

 
 
 

تعليقات


© 2020 مجموعة إنسايت الاستشارية

  • LinkedIn Social Icon
  • Twitter Social Icon
bottom of page