top of page
بحث

لم تُنهِ قمة بكين حرب هرمز، بل عولمتها!

  • صورة الكاتب: sara john
    sara john
  • قبل ساعتين
  • 4 دقيقة قراءة

فيما كان الزعيمان يتصافحان فوق الطاولة، كانت البوارج تتبادل الرسائل الخشنة من تحتها.

ليست هذه مبالغة في العبارة، بل وصف مكثف للحظة كشفت ما حاولت الدبلوماسية إخفاءه: لم تعد أزمة هرمز حرباً أميركية ـ إيرانية محدودة، ولا نزاعاً إقليمياً قابلاً للاحتواء، بل أصبحت اختباراً مفتوحاً لقواعد القوة البحرية في القرن الحادي والعشرين.

قبيل قمة ترامب ـ شي بساعات، في الثالث عشر من أيار/مايو 2026، وفي بحر العرب، قامت مدمرة صينية وسفينتا دعم بمناورة حادة باتجاه مجموعة ضاربة أميركية تقودها حاملة طائرات. لم يكن التحرك عابراً ولا ملتبساً. فقد وقع في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية على الأرض، حيث يقف جنود الطرفين على حافة خطأ واحد.

هرمز: صراع صيني ـ أميركي؟

خلال ثلاثين دقيقة، تحول مضيق هرمز إلى مسرح مكثف لصراع أكبر من إيران، وأبعد من الخليج. أرادت بكين أن تقول لواشنطن إنها حاضرة. وحرصت واشنطن، في المقابل، على أن تثبت أن ردعها لا يزال في أوجه، وأن صدقيتها حيال دول الخليج لم تختل.

كانت رسالة صينية محسوبة، ورداً أميركياً سريعاً، ومقدمة صامتة لقمة يفترض أنها تبحث في التهدئة، بينما كانت في الواقع تختبر حدود المواجهة.

جاءت لحظة هرمز في سياق بالغ الدقة. لم يكن المضيق المختنق، بثقله الاستراتيجي الفادح، مجرد مياه بين ضفتين؛ بل صار صمام أمان للسلم العالمي. على الضفة الشرقية تقف إيران بمدفعيتها الساحلية، وزوارقها السريعة، وصواريخها، وطائراتها المسيّرة، وقرارها المتشظي. وعلى الضفة الأخرى تقف دول الخليج العربي ومعها اقتصاد عالمي يخشى انقطاع شريان الطاقة.

هكذا لم تعد الحرب ثنائية الأبعاد. فالصين لا تريد إغلاق هرمز، لكنها لا تريد أيضاً أن تنفرد واشنطن بفتحه بالقوة. هنا تكمن المفارقة. تحتاج بكين إلى مضيق مفتوح كي يستمر تدفق الطاقة والمواد الأولية والغذاء إلى اقتصادها، لكنها لا تريد مضيقاً ترفرف فوقه الراية الأميركية وحدها. كما تريد إيران قابلة للاستخدام السياسي والاستراتيجي، لا منفلتة إلى حد الإضرار بالمصالح الصينية ذاتها.

أراد ترامب من شي المساعدة في كبح طهران، وإعادة فتح هرمز، ومنع إيران من التقدم في مشروعها النووي. غير أن السؤال الأهم يبقى: من يدفع تكلفة فرض الإرادة الدولية؟ ومن يجني أرباحها؟

لا تسوية كبرى

لم تأتِ قمة بكين بتسوية كبرى. لقد كانت، بالأحرى، مرآة باردة لتصاعد هندسة الصراع العالمي. جلست القوتان العظميان إلى طاولة واحدة، لكن كلاً منهما حمل خريطة مختلفة.

ترى واشنطن في هرمز جزءاً من نظام بحري عالمي تصر على ضبطه وإخضاعه لقواعدها. أما بكين، فترى في التعريف الأميركي لـ"الأمن البحري" سابقة يمكن أن تُستحضر لاحقاً في تايوان وبحر الصين الجنوبي. فالسوابق في السياسة قابلة للانتشار والعدوى.

سعت الصين إلى مقايضة دقيقة. قد تساعد في تهدئة إيران، لكنها لن تفعل ذلك مجاناً. ستطلب ثمناً في التجارة، والتكنولوجيا، والعقوبات، وتايوان. لكنها، في الوقت نفسه، ستحرص على ألا تبدو شرطياً مساعداً في حرب أميركية.

تلعب إيران ورقة أخطر مما تستطيع تحمله طويلاً. وقد لا تكون قادرة على مواصلة هذه اللعبة إلا لأسبوع أو أسبوعين. فهي تراهن على أن ارتفاع كلفة التأمين، ودخول المتداولين والمصافي والحكومات في حسابات الخوف، يكفيان لإحداث الأثر المطلوب. فالردع الإيراني لا يهدف إلى الانتصار، بل إلى زعزعة الثقة العالمية.

ومن سخرية الأقدار أن إيران، بسلوكها العدواني، تكاد تشترط على العالم أن يفوضها دور شرطي مارق يمسك بشريان الطاقة الكوني.

يعتقد ترامب أنه يستطيع تحمل تداعيات إغلاق هرمز. فبصفتها أكبر منتج للنفط في العالم حالياً، تجد الولايات المتحدة نفسها أقل تضرراً من غيرها. وفي أسوأ الأحوال، قد تلجأ واشنطن إلى وقف تصدير النفط مؤقتاً، ضماناً لكبح الأسعار في الداخل وتجنب التداعيات السياسية على إدارة ترامب.

بل يعتقد الأميركيون أن إغلاق المضيق سيضرب الصين في قلب اقتصادها خلال ستة أشهر. وتعرف بكين ذلك جيداً. فهي تدرك أن الأزمة قد تتحول إلى أزمة توريد كبرى تشمل الطاقة والغذاء والصناعة والتصدير والزراعة والمواد الأولية الحيوية. لذلك لا تريد بكين انتصار إيران. بل تريدها مشاغبة، مدينة جزئياً للصين، ومضبوطة بما يكفي كي لا تحرق الطاولة.

هذه هي المعادلة الصينية: مضيق مفتوح، لكن بلا نصر أميركي صريح؛ ضغط على إيران، لكن من وراء الستار؛ تعاون مع واشنطن، لكن في مقابل مكاسب.

أما المعادلة الأميركية فهي أكثر حدة ووضوحاً: استخدام نفوذ الصين من دون منحها حق المشاركة في صياغة النظام الجديد.

وفيما تنكب دول الخليج العربي على ترويض العدوان الإيراني، فإنها تخشى احتمالين متناقضين: تحوّل الصراع إلى أزمة مزمنة، أو اندلاع حرب واسعة.

لم تكن حادثة السفن الصينية تفصيلاً عسكرياً معزولاً. لقد كانت جرس إنذار يقرع في لحظة شديدة الحساسية، ليؤكد أن الأزمة لا تحتاج إلى قرار كبير كي تتسع. يكفي خطأ واحد.

قمة الرموز

لو وقعت أي مناوشة فعلية عشية القمة، لكانت بكين قد احتجت ووصفت الأمر بأنه عدوان على تجارتها. وكانت واشنطن سترد بأنها تطبق العقوبات وتحمي حرية الملاحة. ثم قد ترسل الصين سفن مرافقة أو قدرات مراقبة إلى خليج عُمان. عندها، لن تعود الأزمة إيرانية فحسب، بل ستصبح اختباراً حياً لمن يملك حق تعريف الأمن البحري.

بهذا المعنى، لم تُنهِ قمة بكين حرب هرمز، بل كشفت اتساعها. صحيح أنها قد تنتج قنوات اتصال، وضغوطاً صينية غير معلنة، وربما تخفيفاً محسوباً لبعض العقوبات على المصافي الصينية التي تشتري النفط الإيراني؛ لكنها لم تنتج سياقاً جديداً للصراع مع إيران، ولا تفاهماً صلباً حول التفتيش، ولا مقايضة نهائية حول تايوان، ولا تسوية في ملف المعادن النادرة أو التكنولوجيا.

كانت القمة غنية بالرموز، فقيرة بالأدوات.

فهل تنتهي الأزمة بانتصار نظيف أو سلام مكتمل؟ أم باستنزاف مضبوط: هرمز مفتوح بما يكفي لمنع الانهيار، وخطر بما يكفي ليبقى ورقة ضغط؛ ضربات محدودة لا تتحول إلى غزو؛ ضغوط صينية لا تعلن اسمها؛ وتحصينات خليجية أعمق في الجو والبحر والاستخبارات؟

عندئذ لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: بأي تكلفة سيجري منعها من الانفجار؟

هل تخفف واشنطن عقوباتها على شركات أو مصافٍ صينية؟ هل تنخفض مشتريات الصين من النفط الإيراني، أم يعاد ترتيبها عبر وسطاء؟ هل تهبط تكلفة التأمين البحري؟ هل تظهر مرافقة بحرية صينية غرب المحيط الهندي؟ هل تؤجل واشنطن قرارات حساسة تخص تايوان؟

ما جرى في هرمز، ثم ما ظهر في بكين، يقول إن المضيق لم يعد مجرد ممر بين إيران وعُمان. لقد صار مرآة لنظام دولي تتنازعه قوتان كبيرتان.

في الاستراتيجية البحرية، كما في النار القديمة، لا تحتاج الكارثة إلى غابة؛ يكفيها عود ثقاب ومهب ريح. رابط المقال https://www.annahar.com/articles/annahar-writers/310657/%D9%84%D9%85-%D8%AA%D8%BA%D9%84%D9%82-%D9%82%D9%85%D8%A9-%D8%A8%D9%83%D9%8A%D9%86-%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2-%D8%A8%D9%84-%D8%B9%D9%88%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%87%D8%A7

 
 
 

تعليقات


© 2020 مجموعة إنسايت الاستشارية

  • LinkedIn Social Icon
  • Twitter Social Icon
bottom of page