حين تصير العصبية معيارا، والحماقة داءً عمومياً!
- sara john
- قبل 6 أيام
- 3 دقيقة قراءة

سمير التقي،
لا تنهار المجتمعات حين يكثر الأشرار وحسب، بل يبدأ الانهيار حين تنغلق المجتمعات والعصبيات على ذاتها، لتصير منطقاً، ويصير الولاء والكراهية معياراً وفضيلة.
في صلب هذه الحاضنة تزدهر الحماقة و"الزعرنة" والفجور، وتصير العصبية ترياقاً يشفي غليل الكراهية، ويشتريها الأفاقون.
فهل نعجب أن يصعد النرجسيون ويتصدر الزعران، بل يصبح تقديس "الأزعر"، أيقونة هياج جماعي لقطيع مهووس؟
نفهم العصبية الدفاعية، العصبية المنفتحة، غير العنصرية، كضرورة لبناء أي جماعة بشرية. ومن كرة القدم إلى جحافل الجيوش تحتاج الجماعات إلى التضامن واللحمة كي تبني تجربتها وتخوض منافستها.
لكن من اللحظة التي تصبح فيها العصبية أداة لانغلاق الفكر والعنصرية وشيطنة الآخر المغاير، يتعزز خبل العقل النقدي، ويستبطن التفوق عضوياً أو لاهوتياً تأسيساً لحق علوي، يحاول إنتاج منظومة أخلاقية معيارية تؤسس للتعصب والعنف.
عندئذ لا يصبح السؤال: ما هي الحقيقة؟ بل: من قالها؟ ولا يوزن الرأي ببرهانه، بل بهوية صاحبه. فمن كان منا كان معذوراً، ومن كان من غيرنا فمصيره الإلغاء والقمع.
خطوة بعد أخرى تنسحب الحقيقة، وتتقدم العصبية خطوتين.
في هذه الفقاعة، تنتج الجماعات المغلقة لغتها وأبطالها، وأعداءها، وتاريخها المبتذل وزعماءها الحمقى. يكافئ الذليل، ويحارب الفكر، ليصبح السؤال قرينة شبهةٍ في الولاء، بل مؤامرة أو خيانة أو سمٌّ مدسوس. ولا تعود السياسة ليس فن الممكن، بل طريق نحو الحروب والخلاص المقدس. لتصعد النفوس الحاقدة، والألسنة القاطعة، واليقين المبتسر. ليصعد الزعران الواثقون على أكتاف الحمقى و"البسطاء".
لا تربك زعامات الزعران جماهيرها بالأسئلة، بل تغرقها بالمسلمات واليقينيات، ولا يفسدون نشوج الجموع بالأسئلة المزعجة، ولا يفتحون نوافذ لهواء جديد. يريدونهم أن يصدقوا، ويرتلوا، ليزيد خبلهم خبلاً وغضبهم غضباً!
بذلك تصبح الحماقة أكثر جاذبية، إذ لا تنتصر لأنها أكثر عمقاً، بل لأنها أبسط وأكثر تسطحاً. وتختزل العالم إلى معسكرين، والتاريخ إلى جرح، والسياسة إلى معركة نهائية، والإنسان إلى بطاقة هوية.
مثل راحة الحشيش والمخدرات، تصبح الحماقة و"الزعرنة" إدماناً يمنح الجماعة راحة نادرة: لا حاجة إلى التفكير المعقد، ما دامت الأجوبة جاهزة، والشبهات محسومة، والخصوم معروفون.
وككل أنماط الإدمان تحتاج هذه المعادلة إلى تغذيتها دوماً لتبقى بعيدة عن مشقة النقد والتفكير العاقل؛ فهي لا تعكس عمق القناعة، بقدر ما تعكس هروباً من التعقيد في زمن يسوده. ولهذا السبب تكون شديدة الإغراء في الأزمنة المرتبكة بل يعاد تشكيل الضمير الاجتماعي ذاته، لتكتسب غطاءً أخلاقياً أقرب الى التدين، ليصبح القتل والجريمة حزماً، والإقصاء وقاية، والتشهير تطهيراً، والقمع دفاعاً عن الخير. فلا حاجة بعدئذٍ للاعتذار أو التوبة، فالحقيقة المغايرة لوثة، وعدو.
هكذا تبدأ الكوارث الكبرىلم تبدأ النازية بمعسكرات الإبادة، بل بدأت ببناء جماعةٍ قومية مغلقة ترى نفسها نقية ومحاصرة ومفوضة بالثأر للتاريخ. صُنعت أسطورة جماعية عن أمة جريحة، ثم حُدد لها عدو داخلي وخارجي، ثم أُلبس التعصب لباس الواجب الوطني. ليصبح الآخر خطراً لا شريكاً يبيح كل الجرائم بحجة الواجب.في رواندا تكررت الآلية بصيغة أخرى. لم تنفجر الإبادة فجأةً من فراغ. سبقها خطاب متواصل جرّد شعوباً بأسرها من إنسانيتها، خطاب يقدم الآخر. وما أن يخوّن البشر ويُختزلون بصفاتٍ حيوانية، حتى تغدو الوحشية مبررة.في عصرنا الراهن، لم تعد العصبية تكتفي بإنتاج الحمقى والنرجسيين، بل صارت مسلحةً بهاتف ذكي، لتصير المنصات الرقمية مصنعاً ممتازاً للعصبية الحديثة. واحتارت هذه المنصات في إشعال المشاعر القبلية. تضخمها وتكافئها وتعيد تدويرها، لتغرق الجماعات في غرف صدى تنتج الحماقة والنرجسية والهوى الجمعي. وفي هذا الفضاء لا تنمو المعرفة، بل تنمو الثقة الجوفاء، ويتصلب الانفعال.هكذا فتحت الأبواب مشرعةً للنرجسيين الحمقى، يقودون قطعاناً رقمية سريعة الاشتعال، قصيرة الذاكرة، مرتاحة الضمير. تطارد، وتشهّر وتقاطع، ثم تمضي إلى هدف جديد. كما لا تحتاج هذه الجماعات لأحزاب، بل لعصبة تعمل في الظلام، تروج وتنتشر لتحول غرائز الغضب العمومية إلى "محاكم تفتيش".لا تولد الحماقة والعنف من شهوة الحاكم، بل من قابلية المناخ العام وتفسخ النخب وتفككها وانعزالها وبطرها. فباسم الحزم والهوية، يباح تطهير المجال العام للموالين، ويؤسس لفجور السلطة والقوة.
العلاج بالسخرية يعالج بعض النخب ظاهرة الحماقة والعصبية والنرجسية السياسية بالسخرية، ولا يحق معها ازدراد الرعاع، نهاية الأمر لا يمكن أن تجبه حمى العصبيات بالاحتقار، إذ ليست المشكلة في قصور أفرادٍ محددين، إنها في بنية تتفسخ فيها النخب، وفقدت قيمها، ليبزغ من تحتها طوفان من الغضب، يحمله الرعاع، وتروجه الحماقة والتعصب، ليصبح التطرف مرجعاً وقانوناً.لا تعالج الحماقة بعصبية نخبوية مضادة، ولا تعالي النخب، عبر عصبيات مضادة. فذاك لا ينتج إلا حلقات مفرغة، ولا تنفع في معالجتها المواعظ المتعالية.لا تعالج مظاهر الحماقة والعصبية إلا بتوسيع المجال العام وتعزيزه في مناخ ينمو فيه الفكر المتشكك والنقدي، ليختلف الناس من دون تكفير ولا تخوين، ومن دونه يصبح الانتماء جافاً ويابساً.لا يعاني عالمنا ولا مشرقنا ولا شرقنا الأوسطي من ندرة الحمقى والعصبيات، لذلك لا نعاني من نقص الحروب والدمار والتوحش.وحين يقول قداسة البابا "ويل لمن يسخّر الأديان واسم الله، لخدمة أهدافه العسكرية والاقتصادية السياسية، ويجر ما هو مقدس إلى أكثر الأمور قذارة وظلماً"، لا يقصد زعيماً في ذاته، بل إنه يشهر حقيقة أنه "لا يصح إلا الصحيح"! رابط المقال https://www.annahar.com/articles/annahar-writers/302427/%D8%AD%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%B5%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B5%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%85%D8%A7%D9%82%D8%A9-%D8%AF%D8%A7-%D8%B9%D9%85%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A7




تعليقات