لبنان... نافذة ضيّقة للسلام
- sara john
- 19 أبريل
- 4 دقيقة قراءة

تغري مثل هذه اللحظات بالتسرّع في الحكم. يقرأها البعض فاتحة نظام إقليمي جديد، ويزدريها آخرون كاستراحة قصيرة قبل دورة الحروب. وتنطوي كلتا القراءتين على عناد ورغائبية مفرطة. هذه المرة، لا يبدو السلام في لبنان مجرّد وهم عابر، لكنه ليس بعد سلاماً على الإطلاق!
يتحرّك المشهد الإقليمي بمجمله بين هذين الحدّين: فرصة حقيقية لالتقاط الأنفاس، وخطر واقعي بأن يعود البلد إلى دوّامة خبرها أكثر ممّا ينبغي.
لخّص ستيفن ستيدمان هذه المعضلة منذ عقود "صنع السلام عمل محفوف بالمخاطر"، ويبدو ذلك وصفاً دقيقاً للحظة اللبنانية.
أنتج وقف إطلاق النار نيسان/ أبريل 2026 بين لبنان وإسرائيل فتحةً في جدار ثقيل يجثم، بعبثية خرقاء، على صدر الشعب اللبناني.
هدنة قصيرة بوساطة أميركية، محادثات مباشرة، وبعد عقود من الاستباحة، لغة سيادية للرئاسة اللبنانية، لطالما بدت مستحيلة للبنانيين. وبذلك تفتح الدولة-الرئاسة/ الحكومة - اللبنانية عهد استقلال متجدّداً. وإذ تلمّح الحكومة لإمكان الانتقال من التهدئة المؤقتة إلى ترتيبات أكثر دواماً، فإنها تترجمها لحقائق تحفر قليلاً في الأرض.كل ذلك لا يبدو كافياً لإفلات لبنان من الفخ الذي دُفع إليه منذ سبعة عقود. لا تزال القوات الإسرائيلية في الجنوب، ولم يقبل "حزب الله" نزع سلاحه، ولم يُحسم المسار الأوسع بين واشنطن وطهران، ليدخل لبنان ممراً ضيّقاً بين الانفراج والانتكاس!تغري مثل هذه اللحظات بالتسرّع في الحكم. يقرأها البعض فاتحة نظام إقليمي جديد، ويزدريها آخرون كاستراحة قصيرة قبل دورة الحروب. وتنطوي كلتا القراءتين على عناد ورغائبية مفرطة.
فرصة نادرة
تلك فرصة نادرة للبنان لفعل ما عجز عنه مراراً منذ 1982: أن يعيد وصل السيادة بالأمن، ويربط الديبلوماسية باحتكار الدولة لقرار الحرب والسلم، من غير أن يفجّر توازناته الداخلية الهشّة.هذه الفرصة رهنٌ بأمر أقلّ بريقاً من الخطب والاحتفال: رهنٌ بالتسلسل، والتنفيذ، وبمنع لبنان من التحوّل مجدّداً إلى ورقة تفاوض لصراعات إقليمية لا بد من أن تعود.يقدّم التاريخ جرعة مزدوجة من التشجيع والتحذير.يأتي التشجيع من أحد أقدم دروس الصراع العربي الإسرائيلي: فالحروب، أحياناً، تفتح باباً لمفاوضات كانت تبدو مستحيلة.لم تقم معاهدة السلام بعد حرب 1973، على ثقة مجردة، بل قامت على مزيج من الانسحاب المرحلي، والترتيبات الأمنية، ومناطق القوات المحدودة، والضمانات الخارجية، وأفق زمني واضح للتنفيذ وصولاً إلى اتفاقية السلام.وحين قال أنور السادات: “لا مزيد من الحروب أو إراقة الدماء”، كان يعبّر عن تحوّل قام هو بتثبيته مؤسسياً. ورغم حقيقة كونه سلاماً بارداً، ومكلفاً ومثيراً للجدل، لكنه صمد لأنه لم يستسلم لأوهام النوايا الحسنة.
اختراق على الورق
ثم في لبنان ذاته، أيار/ مايو 1983، وُقّع اتفاق بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية، بدا على الورق اختراقاً واعداً، لكنه انهار سريعاً، لأن الدولة اللبنانية كانت أضعف من أن تحميه، ولأن التوافق الوطني اللبناني كان أرقّ من أن يصمد، ولأن قوى إقليمية، في مقدمتها سوريا آنذاك، كانت قادرة على تقويضه.لذلك ليست الديبلوماسية اللبنانية الإسرائيلية عبثاً على الإطلاق، بل هي فرصة تاريخية! لكن أيّ ترتيب يتجاوز موازين الداخل اللبناني وتوازنات الإقليم، سيظلّ هشّاً مهما بدا محكماً. وسِرّ هذه اللحظة الفارقة يبقى ذلك الاقتحام الترامبي النادر!ثمّة خطر ثالث يقرع الباب: إذ لا يزال "حزب الله" محتفظاً بسلاحه، متشوّقاً لإعادة تبرير بقائه. فحتى بعد انسحاب إسرائيل 2000، لم يسقط مبرّر السلاح، بل جرى ترحيله من ذريعة احتلال الجنوب إلى حجّة مزارع شبعا.يكشف هذا المسار حقيقتين: أولاهما أن الانسحاب الإسرائيلي قد يضعف شرعية السلاح خارج الدولة، لكن الانسحاب الناقص، أو بقاء النزاع الإقليمي مفتوحاً، قد يمدّ الحزب بذرائع متجدّدة.لهذا كلّه، لا ينبغي أن يُقاس وقف إطلاق النار الحالي بحرارة الانفعال، بل ببرودة الإطار العام. وكل تعثر على طريق السلام، سيكون ثغرة وذريعة للحزب.في مطلق الأحوال، "حزب الله" أضعف مما كان. والرئاسة اللبنانية تتصرف بثقة واعدة والمحادثات المباشرة ترسخ طريقها. وفيما يوفر الإطار الدولي 1701، خريطة الطريق، ستكون الطامة أن نعجز عن السير به حتى النهاية.نقاط الضعف لا تقل وضوحاً. فالهدنة مؤقتة. وإسرائيل لا تزال في الجنوب. ولا يفرض الاتفاق صراحة نزع سلاح "حزب الله". والحزب نفسه يتحفّظ على حرية الحركة الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية. وفوق ذلك كلّه، تحتاج الدولة اللبنانية، وجيشها خصوصاً، إلى دعم كبير، لتصير قادرة على انتزاع سلاح الحزب دون المخاطرة بتصدّع داخلي واسع.مهما بدا هذا الواقع قاسياً ومقلقاً: فإن البداية حقيقية وهامة جداً، لكنها لا تكفي بذاتها لما بعدها.بذلك تتحوّل المعضلة الراهنة من معضلة تفاوضية لتصبح اختباراً للنخب السياسية الوطنية اللبنانية جميعاً، ولتصير قضيّة السيادة الوطنية شرط الضمانة الوحيدة لمنع انزلاق البلاد نحو هاوية وجودية للبلاد ككل.كلٌّ بطريقته، يجب أن يكون الأول في تقديم التنازلات التي لا رجعة فيها. هنا يكمن فخّ التسلسل الداخلي الوطني اللبناني: من يبدأ، وبأية ضمانات، وبأي ثمن سياسي؟فليس جميع المفسدين سواء! الجوّ، الأرض، والمياه، تعجّ بالمفسدين المحتملين.ثمّة شبكات لبنانية داخلية ترى في السلام لنفوذها ومواردها. وسيستمر نتنياهو محتفظاً برافعته العسكرية.في الإقليم، ثمة من لا يحتاج إلى نسف العملية بالكامل، لكن يكفيه أن يبقي لبنان ساحة مفتوحة للضغط والمساومة. بعضهم يساوم لتحسين موقعه، وبعضهم يختبر الحدود، وبعضهم لا يريد إلا الخراب.لذلك لا تكفي الإدانة العامة لـ“المفسدين"، بل يجب التمييز بين من يمكن استيعابه، ومن ينبغي ردعه، ومن يجب تقييده بآليات تنفيذ صارمة.كلمة السر هي الآلية: فوقف إطلاق النار لا يعيش بالبلاغة، بل بالتفصيل. وما تحتاج إليه بيروت اليوم ليس قاموساً أكثر حماسة، بل تسلسل أوضح: انسحاب إسرائيلي محدّد زمنياً، انتشار فعلي للجيش اللبناني واليونيفيل، وآليات موثوقة لرصد الانتهاكات وبتّها، وإطلاق إعادة الإعمار لتكون مصلحة ملموسة للناس في السلام، وتقليص تدريجي للدور العسكري لـ"حزب الله"، لا بقرار إنشائي، بل بإضعاف وتفكيك شرعيته ومنطقه السياسي، قطبة قطبة، وخطوة بعد أخرى.مع انفتاح باب سلام حقيقي أمام لبنان، ثمة مسار معقول لإنقاذه، لكنه انفتاح هش أيضاً.ليس هذا استنتاجاً احتفالياً، ولا قدرياً. لم يخرج لبنان من تاريخه الشاق والمضني بعد، لكنه ليس محكوماً به أبداً.إنه اختبار سياسي نادر: تحويل هدنة ميدانية إلى مسار سيادي؟ ففي الميزان سلاح "حزب الله" بقدر ما هو تحرير الأرض.إنه تحدٍّ للعالم بأسره لكنه حتماً التحدّي الأكبر المؤسّس للنخب اللبنانية كي لا يصنّف هذا الاتفاق ضمن الأرشيف المزدحم للفرص اللبنانية الضائعة! رابط المقال https://www.annahar.com/articles/annahar-writers/301583/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%86%D8%A7%D9%81%D8%B0%D8%A9-%D8%B6%D9%8A%D9%82%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85




تعليقات