أيها الشرع، لا تنزل بحبل ترامب المقطوع
- sara john
- قبل دقيقتين
- 4 دقيقة قراءة

سمير التقي
لم يعد سرًّا القرار الأمريكي-السوري بفرض وصاية سورية على لبنان، بل صار فعلًا عمليًّا نرى ملامحه في تحركات مقاتلين "غير منضبطين" في شمال لبنان. فيبدو أن السلطات السورية تنتقل بإرادتها إلى ورطة ما بعدها ورطة!
في المقابلة الأخيرة لأحمد الشرع مع قناة “المشهد”، وضع نفسه كمن يملك تشخيصاً أعلى للأزمة اللبنانية: "بعض اللبنانيين" “أسرى الماضي”؛ الحلول التقليدية انتهت؛ لبنان يحتاج إلى صندوق حلول سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية؛ حزب الله يجب أن يجد موقعه داخل الدولة؛ المكون الشيعي يحتاج إلى طمأنة؛ والمخاوف الإسرائيلية لا يمكن تجاهلها. كلام جميل لا يقل رقة عن كلام حافظ الأسد حين دخل لبنان. لكنه ليس خطاب جار متضرر، بل خطاب وصي مكلّف على لبنان.
فهل يعتقد الشرع أن هذا الخطاب سيقنع حزب الله بإلقاء سلاحه؟ وماذا لو لم يُلقِ سلاحه؟ هل يجد الشرع في الجيش السوري القدرة على إعادة إدارة حرب أهلية داخلية؟
زمن الأسد، عرف الشعب السوري معنى أن تصبح سوريا كبير بلطجية المنطقة. تحولت التجربة حينها إلى شراسة عمياء لأجهزة القمع داخل البلاد، وتعزيز لـلمافيات المشتركة الفاسدة، وتعمّق التفكك على طرفي الحدود، إلخ.
من جهته، يحتاج الشرع، ولا شك، إلى الحصول على الاعتراف والتمويل والدور، وها هو يعرض خدمات "جيشه" على واشنطن وتل أبيب كشرطي إقليمي "موثوق".
وفيما لا تزال سورية تغلي وتتفجر بالتناقضات والأزمات، وفيما تسير سوريا في طريق متعثرة نحو بناء الدولة وشرعيتها وعقدها الاجتماعي ووحدتها الوطنية، يُؤثِر الشرع الهروب إلى الأمام.
بل تغريه لعبة الحروب الأهلية في بلاد الآخرين. ليدخل، بذريعة رعاية تسوية فوقية بقوة السلاح، في بلد تجد فيه السلطات الشرعية اللبنانية صعوبات كبيرة في احتكار السلاح وقرار الحرب والسلم.
إذ ينفض ترامب يده من الشرق الأوسط، يبحث عن وكلاء. وهذا، بصراحة، هو جوهر المهمة التي يعيّنه فيها ترامب في لبنان.
مطلوب من الوكيل نظرياً نزع سلاح حزب الله، ولن يتم ذلك بالكلمات الرقيقة كما في مقابلة قناة المشهد، بل بالحديد والنار والمقاتلين الجهاديين. وسيتم ذلك على حساب الدولة اللبنانية، ليعلّم اللبنانيين فن "المصالحة الوطنية" والسلم الأهلي.
فما يبدو فرصة من واشنطن ليس سوى فخ لدمشق دون شك
. إذ يستطيع ترامب تبديل تحالفاته كل لحظة، ومن انقلب ضد ألمانيا وفرنسا وبريطانيا لن تمنعه همسات السيد توم باراك من قلب الطاولة في وجه السلطة السورية، فيما يبدو ترامب ذاته مجرد بطة عرجاء منذ هذه اللحظة.
فأين تُودي بنفسك وبجيشك؟
سيغادر ترامب قريباً، لكن سوريا ولبنان لا يستطيعان مغادرة الجغرافيا. وما يبدأ كتكليف سياسي سيتحول حتماً إلى اشتباك وقتل وحرب. مع من وضد من؟ مع إسرائيل؟ مع إيران؟ مع ترامب؟ يا لها من سخرية.وما يبدأ كوصاية ناعمة سينتهي بحرب لا يملك أحد مفتاح إيقافها.
تحت العناوين ذاتها دخل الأسد لبنان عام 1976: "منع الانهيار وضبط الحرب الأهلية". وبعدها تفجرت دماء السوريين واللبنانيين، وتحول الاقتصاد اللبناني إلى فرع من فروع المافيات السورية. لم تُنتج مصالحة وطنية، بل بنت نظام توازنات أمنية يعزز الحرب الطائفية المبطنة. قاتل الفلسطينيين حيناً، ووازن الموارنة حيناً، واحتوى الحركة الوطنية حيناً، وترك لكل طائفة ما يكفي من الخوف كي تحتاج إلى دمشق.
كانت النتيجة أن نُخِر لبنان ونُخِرت سوريا من كعبها. إذ لم يمنع الوجود السوري اجتياح إسرائيل ولا تمدّد حزب الله، فتكرّست في لبنان دولة منقوصة ودائرة من دوائر الفساد والفشل. واستتبّت حرب أهلية مستدامة في لبنان.
المعضلة اليوم أكثر خطورة. زمن الأسد، كانت سوريا دولة أمنية مركزية ذات جيش متماسك مكوَّن ومسلّح سوفييتياً.
فكيف يمكن لجيش جديد لدولة قيد التكوين، خارجة من حرب أهلية طويلة، ومؤسساتها الأمنية والعسكرية فصائلية وعقائدية وثأرية، ولا يزال قسم مهم منها خاضعاً لمصادر التمويل المختلفة، أن ينجح في مهمة فشلت فيها أمريكا وفرنسا وإسرائيل وإيران، في بلد لا تزال ذاكرته تنزف من الوصاية السورية السابقة؟
يخسر حزب الله إذا جابه الدولة اللبنانية في قضية سلاحه، لكنه يربح إذا جاء الضغط عليه من الخارج. سيكسب سلاحه شرعية العداء للمشروع الأمريكي ـ الإسرائيلي، لكن هذه المرة بواجهة سورية. ليصبح الدور السوري هدية سياسية لحزب الله.
بعدئذ، ننتقل للحرب الأهلية الإقليمية. فليس لبنان ساحة داخلية صَرفة. سيدخل السنة والشيعة والمسيحيون والدروز والفلسطينيون والسوريون والإيرانيون والإسرائيليون والأمريكيون والأتراك والعرب في خرائط الخوف والصراع.
فأي احتكاك بين فصائل سورية ذات خلفية إسلامية جهادية وحزب الله لن يبقى اشتباكاً حدودياً. سيستدعي ذاكرة الحرب السورية داخل لبنان، وذاكرة حرب حزب الله ضد الثورة السورية، وذاكرة الصراع العربي ـ الإيراني، ثم مخاوف إسرائيل، وحسابات تركيا. عندها تكتمل عناصر الحرب الأهلية الإقليمية: مجتمعات تقاتل بالوكالة عن دول، ودول تحرك ميليشيات، وميليشيات تبتلع الدول.
نهاية الأمر، ثمة سيناريوهان: إما أن يتحالف الإسلام الجهادي السني والشيعي ضد الدولة الوطنية والمواطنة والحرية في الإقليم، أو أن يصطدم المشروعان في لبنان وفي الإقليم. وفي كل الأحوال لن تسلم سوريا ودولتها من نيرانهما.
في الحروب، لا تُقاس السياسة بالكلمات "الرقيقة"، بل بالأظافر التي تنشبها في جسد الإقليم. وفي زمن يقف فيه العالم على عتبة حرب ثالثة، بعضها بارد وبعضها ساخن، سيكون من السذاجة الاعتقاد أن منطق الوصاية يمكن أن بعد ان انفتحت أبواب الإقليم لشياطين العالم يخوضون حروبهم بالوكالة والأصالة. فالمشرق بارع في تحويل الأدوات إلى أعباء.
ولعل لبنان يدرك أنّه لا يكفي أن يرفض الوصاية السورية، بل عليه رفض كل الوصايات الأخرى. فالسيادة لا تتجزأ. إذ لا يحتاج لبنان إلى من ينقذه من فوق. يحتاج إلى دولة تستعيد نفسها من الداخل، بدعم لا بوصاية خارجية.
بالنسبة لواشنطن، قد يبدو تكتيكاً ذكياً رمي سوريا كورقة في هذا الأتون، لكن عمر هذه المغامرة لن يطول أكثر من عمر ترامب، الذي صار منذ الآن بطة عرجاء. وعاجلاً أم آجلاً، لن تقبل إسرائيل بقوة جهادية على طول حدودها الشمالية.
أما سوريا فلا تحتاج إلى ريع دور إقليمي جديد قبل أن تبني ذاتها. فلطالما ظن من دخل لبنان أن فيه الحل، وسرعان ما خرج بعد أن أحرق لبنان واحترق. رابط المقال https://www.annahar.com/articles/annahar-writers/323004/%D8%A3%D9%8A%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D8%B9-%D9%84%D8%A7-%D8%AA%D9%86%D8%B2%D9%84-%D8%A8%D8%AD%D8%A8%D9%84-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%B7%D9%88%D8%B9




تعليقات