top of page
بحث

سوريا: قبل رأس المال، تأتي الثقة

  • صورة الكاتب: sara john
    sara john
  • 12 يونيو
  • 4 دقيقة قراءة

سمير التقي،

إطلعت على نتاجات المؤتمر الاقتصادي الذي عقد في دمشق مؤخرا، وكان لابد ان أكتب!

إذ ليس المال المشكلة الأساسية في إعادة إعمار سوريا. تملك دول الإقليم والعالم فوائض مالية كبيرة، وتملك المؤسسات الدولية القروض والمنح والخبرة البيروقراطية. انها تملك الروح السورية والحنين الأصيل والرغبة في المغامرة المحسوبة والخبرة وفن الإدارة العريقة، لكنها تبحث عن مجالات استثمار تبنى على المصداقية. إذ ثمة عملة أندر وأخطر من المال، لا يفهمها العقائديون: انها الثقة!

يفترض ان تبنى الثقة بالجهاز البيروقراطي والمالي والنظام القانوني والنموذج الإقتصادي السياسي من خلال دور الدولة في مساعدة العملة الجيدة لتطرد العملة السيئة، مساعدة البرجوازية الوطنية المنتجة لمواجهة تعديات السماسرة والطفيلين الذي عادوا بزخم ليمتصوا نسغ الاقتصاد.

هذا إضافة لوزارة لا تزال تعمل كأوركسترا دون قائد، بل كأوركسترا قيد التدريب، لم يتفق بعد العازفون على نغم يعزفونه ولا على الجمهور المستهدف.

فقبل ان يسأل المستثمر عن العائد المالي، يسأل من سيفرض أتاوته عليه؟ إنه لا يخاف الركام والخراب، بل يخاف المتسللين بين الركام ليقتنصوا الفرص! يخاف قاض ضعيف جاهل، وسجل العقاري غامض، وحاجز المحلي يفرض الخوات، وشريك نافذ متسلبط، ووزارات تمنح الترخيص اليوم وتسحبه غدًا.

بهذا المعنى، لن يكون النهوض الاقتصادي مجرد ورشة هندسية، بل لابد له ان يكون ساحة تسوية اجتماعية سياسية، وساحة ازدهار اقتصادي.

وحين يُعاد بناء ميناء أو مطار أو حي سكني، لا يُبنى الحجر وحده؛ تُبنى معه طبقة من الرابحين الجدد. فالقضية ليست في عدد الرافعات المنتصبة غدا في أفق دمشق، بل من يحصل على الأرض؟ من يفوز بالعقد؟ من يملك الامتياز؟ من يجلس بين المستثمر والسلطة؟

تعرف سوريا هذه اللعبة جيدًا.

سابقا، أطلق الأسد علي سياساته “اقتصاد السوق الاجتماعي”. كان الاسم أنيقًا، لكن النتيجة كانت كارثية فاسدة، انتجت سوقاً انتقائية، وامتيازات لمن يعرف أبواب السلطة.

لن تعود الاشتراكية البعثية قط! لكن رأسمالية الدولة المحسوبية تسعى لتجديد جلدها بمفردات عصرية: شراكة، تعافٍ أخضر، استثمار استراتيجي، ومن جديد "إقتصاد السوق الاجتماعي"؟؟

وفيما تبدو سوريا كبيت محترق، فقد يسهل شراء الإسمنت والخشب والزجاج، لكن ماذا عن الأساسات: الشرعية، والتشريع، وسيادة القانون! يحتاج من سيصلح البيت ان يعرف من يملكه، ومن يحمل المفتاح، ومن يستطيع بيع السقف مرتين. وإلا فانه لن يأتِ!

ثمة ثلاث أنواع من رأس المال:

رأس المال الخارجي للتعافي: يستطيع إصلاح مطار، تمويل محطة كهرباء، تحديث ميناء، أو بناء منطقة صناعية، لكنه، ككل استثمار كبير في بلد هش، سيطلب ضمانات وامتيازات وأرضًا وشريكًا محليًا. هذا مفهوم! وضروري بأي ثمن كي لا ينهار المجتمع. لكنه لا يصنع اقتصادًا، ولا يؤجل انفجار تناقضات البطالة والفقر. هذا المال أشبه بجهاز تنفس حيوي، لكن القلب يبقى في يد عقل وقلب وزنود السوريين.

ثم مال البرجوزية الطفيلة والسماسرة: التي تعيش على المحسوبية وميزانية الدولة وتمتص نسغ الشعب ونسغ التنمية. لذلك من غير مفهوم أن تُمنح هذه الامتيازات في الظل بعقود مبطنة غامضة دون مساءلة مالية من المجتمع والشعب. ذلك ان صب المال في مؤسسات رخوة يجعل المال وقود للحريق من جديد.

المال الوطني المنتج: انه ورشة في حلب، مزرعة في حماة، عيادة في حمص، شركة نقل في درعا، معمل أغذية في الساحل، وخدمة رقمية يديرها شاب عاد من المنفى. هنا يكمن قلب الوطن السوري وهنا تبدأ الحياة الاقتصادية، لا في بيانات المؤتمرات. ليست برجوازية الشتات صندوق تبرعات عاطفي غشيم. بل اختبرت طويلا الطفيليين والسماسرة: بيت مفقود، أرض مصادرة، وثيقة ضائعة، وحق مؤجل، وأمير حرب يفترض الأرض والعباد "مسخرين". وهي لن لن تخاطر مرتين: مرة حين خرجت، ومرة الآن.

حتى في خطة مارشال كان الشرط هو المناخ التشريعي والاستثماري والقانوني. وكان المال وقودًا للمحرك، يقوده سائق موثوق. لكن في لبنان بعد الحرب وإعادة الإعمار المتكررة، لمعت بيروت بألقها المبهر، وإزدهرت سوق العقار، لكن الاقتصاد بقي هشًا، وصار الناس أكثر فقرا وتراجعت الزراعة والصناعة والخدمات العامة.

لنتخيّل تاجرًا سوريًا في إسطنبول يعود لفتح معمل ألبسة في حلب. لا يحتاج الرجل إلى خطاب وطني، بل لعقد إيجار موثوق وقابل للتنفيذ، وكهرباء معقولة، جمرك مفهوم، بلدية لا تبتزه، ومنافسة منصفة أمام البضائع المستوردة، وقضاء يحميه من شريك بلطجي باسم النفوذ المحلي.

إن غابت هذه الشروط، سيبقى حنينه في القلب وماله في بنوك تركيا.

لا تحتاج سوريا لتجديد وسط مدينة دمشق، بل تحتاج لسوق محلي يعمل، وقضاء مستقل، ومشروعات صغيرة تعيد تدوير الدخل بين الناس.

الأخطر إطلاقا هي حقوق الملكية ستكون أهم معيار واختبار! فهي قلب الصراع الراهن والمقبل. من يثبت ملكية بيت دُمّر؟ من يعود إلى أرضه؟ من يعوَّض؟ من يقرر مناطق الاستثمار؟ فإن سبقت الطفرة العقارية عملية ترسيخ العدالة، تصير الطفرة مصادرة ناعمة باستخدام لغة السوق، لكنها ستسرع نشوء الأزمة.

الأنكى انه لا يوجد نموذج اقتصادي سوري موحد. يختلف نموذج الاقتصاد تماما في حلب عن الساحل وعنه في الجزيرة، ودرعا والسويداء وكله يختلف عن نموذج دمشق!؟ لكل منطقة وسطاء ومخاطر وذاكرة مظالم ونزاعات أرض. ترخيص من دمشق لا يحل مشكلة طريق محلي، ولا سلطة فصيل سابق، ولا خصومة ملكية، ولا خوف من أي من المكونات.

نهاية المطاف يكون النموذج الوطني للإعمار وطنيا، لكنه عند التنفيذ يصير قراره محليا.

نحن لا ننتظر دولة مثالية. هذا ترف لا نملكه قط! الحل هو بناء جزر ثقة: صناديق محلية لدعم المشروعات الصغيرة، أدوات استثمار للشتات مرتبطة بمشاريع محددة، حسابات ضمان، تدقيق خارجي، محاكم تجارية موثوقة، سجل علني للمناقصات والإعمار. والاهم من كل شيء كف يد أي بلطجي يريد تحويل إقلاع الاقتصاد الي ساحة لتوزيع الغنيمة.

فقد يربح البعض من الخراب لأنه أقرب إلى السلطة. لكن رأس المال السوري الأصيل "تقي، جسور، وفهيم"، لكن حين يغيب القانون ويصعد البلطجيون، يحجم ويغضب. وأزعم أن إحجامه وغضبه شديد.

ليصبح الشرط اللازم قطعا لإعادة الإعمار هو التسوية السياسية والمصالحة الوطنية وشرعية تبنى من الأسفل للاعلى وقضاء مجرب ونزيه! فالإسمنت يبني الجدران، لكن الثقة وحدها يمكن ان تبني سوريا. رابط المقال https://www.annahar.com/articles/annahar-writers/318862/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%B1%D8%A3%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%AA%D8%A3%D8%AA%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A9

 
 
 

تعليقات


© 2020 مجموعة إنسايت الاستشارية

  • LinkedIn Social Icon
  • Twitter Social Icon
bottom of page