top of page
بحث

ترامب، إذ تبدو الهزيمة انتصاراً

  • صورة الكاتب: sara john
    sara john
  • قبل 6 أيام
  • 4 دقيقة قراءة

سمير التقي،

أخطر الهزائم تلك التي تُباع بوصفها نصراً.

فبعد ان تهدأ المدافع لا يحكم على الحروب من حجم الدمار، بل بما ترسخه، بصمت، من قواعد الصراع.

في الأسواق، ليست المشكلة في الخسارة وحدها، بل في طريقة تسجيلها في الدفاتر. لكن الهزيمة في السياسة أخطر وأدهى!

ثمة مفارقة قاسية في "الاتفاق الإطاري" الأمريكي-الإيراني: خاض ترامب حرباً كي ينتزع من إيران ما كان ممكناً التفاوض عليه قبل الحرب، وخسر ما كان مكاسب بديهية بالاصل. لتخرج طهران بأوراق وقواعد للعبة جديدة.

قبل إنزلاق الشرق الأوسط للحرب 28 فبراير، كان المشهد سيئاً، لكنه لم يكن بهذا القدر من الانكشاف.

كان هرمز مفتوحاً. وكان النفط الإيراني تحت العقوبات. كانت الأموال الإيرانية محجوزة. وكان ممكناً، عبر دبلوماسية صلبة (لا دبلومساية استعراضية)، أن تُدفع طهران إلى تفاوض جديد: حول اليورانيوم 60%، تخفيض نسب التخصيب، والرقابة المحكمة. ولم تكن الأسواق قد دخلت تلك الكارثة الوشيكة المقبلة. وكانت إيران تخاتل في اعتبار حزب الله وباقي أذرعها جزء من أوراقها التفاوضية وسيادتها الإقليمية، لتصير الآن من جديد ملحقا رسميا في استراتيجيتها الإقليمية.

يقول كلاوزفيتز، “الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى”. وما جرى كان عكس ذلك: ما حصل ان سياسة فقيرة استدعت حرباً كبيرة، ثم عادت إلى طاولة التفاوض أضعف مما غادرتها. رفعت الولايات المتحدة سقف القوة. وصعدت لغة الردع. لكنها لم تستطع، عمليا، تحويل التفوق العسكري إلى إنجاز سياسي خالصٍ.

وهذا هو الفارق بين من يكسب معركة ومن يربح حرباً.

يُخفي خطاب ترامب عن الاتفاق أسئلة أبسط: ألم يكن هرمز مفتوحاً أصلاً؟ ألم تكن إيران تحت العقوبات؟ ألم يكن النفط الإيراني ملاحقاً؟ ألم تكن الأموال الإيرانية مجمدة؟ إذا كانت الحرب قد انتهت إلى إعادة فتح ممر كان مفتوحاً قبلها، وإلى مفاوضات كان يمكن خوضها قبل اندلاعها، فبأي معنى يكون ذلك انتصاراً؟

تُظهر تقارير رويترز أن إطار الاتفاق يتضمن فتح مضيق هرمز، وبدء الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة، ومنح إعفاءات لصادرات النفط، مقابل الدخول في مرحلة تفاوضية لاحقة حول البرنامج النووي. وصار الإيرانيون يتحدثون عن تكاليف “خدمات” في المضيق.

والنتيجة واحدة: صار للمضيق صاحباً، يفرض قواعد المرور.

وهنا تنكشف الهزيمة إذ ترتدي ثوب النصر.

مع ترامب، ذلك التاجر العقاري، لا تحتاج إيران لاحتلال الأرض، بل يكفيها فرض منطقها في التفاوض.

ليس هرمز تفصيلاً جغرافياً. فلقد سمح ترامب لإيران ان تجعل منه عنق زجاجة لاقتصاد الطاقة العالمي، وورقة تضخم عالمي، وتأمين، وشحن، وانتخابات، ومصارف مركزية، امريكية وآسيوية، والناخب الغربي، وسعر الديزل، وفاتورة الكهرباء.

وكما في حرب السويس 1956، لم تكن الهزيمة في الميدان بل كانت في السياسة: إذ لم تعد القوة القديمة قادرة على فرض نظام جديد. ورغم ان أمريكا اليوم ليست بريطانيا الآفلة، لكن ترامب جعلها كذلك.

فالعالم وامريكا لن تحاسبه على الضربة، بل على ما يأتي بعدها.

تحاول إيران العودة للتفاوض لا كمتهم محاصر، بل كدولة ضحية، تملك حق الردع.

ستجادل بأنها لا تستطيع تسليم كل أوراقها بعد حرب كادت تستهدف وجودها. وستطلب الاعتراف بحقها في تخصيب ما، وحقها في هرمز، وحقها في دعم أذرعها.

وفيما يشدد المدير العام للوكالة على ضرورة استئناف عمليات التفتيش فانه يحذر ان الوقائع لا تذوب في بيانات السلام، بل تحتاج إلى كاميرات، وأختام، وسجلات، ومفتشين، وإلى معرفة متصلة لا تنقطع.

وفيما ينفض ترامب يده من الشرق الأوسط بأسره، ترجح تجارب الماضي، أن مهل التفاوض ستتمدد لأشهر طويلة، لتصير المهل مجرد “نافذة تقنية”، ثم مزيد من المشاورات”، ثم “تقدم بنّاء رغم الخلافات”. لتعود لعبة الحروب الباردة والساخنة للشرق الأوسط خلف البيانات المتفائلة: ترفع إيران صوتها لمزيد من الأموال والمكاسب وتدعي واشنطن انها تحافظ على الضغط؟؟.

هنا يدخل لبنان بكل مآسيه! تسعى إيران الآن لجعل أذرعها جزءاً من مفهومها للسيادة، كخط دفاع أول وامتداد معترف به لأمنها القومي. وتريد ان تجعل لبنان جزءاً من هندسة الاتفاق، لا مجرد هامش مشتعل. بل ورقة في قواعد اللعبة الجديدة. ألا ويحك لبنان اما يكفيك نزيفاً! فلقد زرع توم باراك وترامب أرضك ريحا ويتركونك كي تحصدها!

وكما في الفيتنام والعراق وأفغانستان، تبرع القوة في تحطيم الجيوش، لكن السياسة وحدها تصوغ النصر النهائي.

والتنتيجة انه دون إرادة لبنانية حقيقية لا يمكن اجتراح مخرج وطني لبناني أصيل يتصدى للعدوان الإسرائيلي، وينهي الابتزاز والاستباحة الإيرانية الفادحة.

يحب ترامب، لحظة التوقيع! الصورة، القلم، العبارات الفخمة.

و"الصفقة" التي ليتها لم تتم" لا تفهم الشرق الأوسط إلا كبرج عقاري وكفى. وفي منطقتنا، تشتري إيران الوقت، لا لتعمر الأبراج بل لتفكك ملكية صاحب العقار، وتفرغ الاتفاقات من أي محتوى.

تتجلى هنا كلفة تفكيك الدبلوماسية الأمريكية.

إذ لم تعد واشنطن تتحدث بلغة المؤسسات العميقة، بل بلغة المطورين العقاريين من ترامب وويتكوف، لكوشنر وباراك. لكن مواهبهم تصلح لبناء الفنادق وليس لبناء السلام الإقليمي. من خلال جهلهم التاريخي والدبلوماسي وفهمهم القاصر في فن الصراع والعاب الحروب، ومن جديد يعلمهم الشرق الأوسط انه ليس قابلاً للتسعير، بل قابلا للانفجار!

سيجد ترامب من يصفق. فالنصر “له ألف أب، أما الهزيمة فيتيمة”. وسيقال إن الرئيس أوقف الحرب. وسيُطلب من الناخب أن ينسى أن المضيق كان مفتوحاً، وأن التفاوض كان ممكناً، وأن العقوبات كانت قائمة، وأن إيران لم تكن قد نجحت بعد في تحويل كل أذرعها ومضائقها ومخزونها النووي إلى حزمة واحدة.

سيخرج النفط الإيراني من لعقوبات، وسيظل اليورانيوم المخصب موضع شد وجذب. وستدخل لبنان وسوريا والعراق واليمن، بدرجات مختلفة، في ظل التفاهم لا في نصه دائماً. وسيبقى هرمز في يد إيران كمن يفتح باباً ويلوح لك بالمفتاح.

تبدو السياسة الامريكية تمرينا "سيزيفيا" مضنياً! حيث طالما كان "سيزيف"، في الأسطورة يونانية يدفع الصخرة إلى أعلى الجبل، ثم يراها تهبط من جديد. لكن ثمة فارق واحد: الصخرة تكبر كلما سقطت.

في 2018 خرج ترامب من الاتفاق النووي لأنه رآه سيئاً. بعد سنوات من العقوبات والتصعيد والحرب، يجد نفسه أمام اتفاق أضيق في التحقق، وأوسع في التنازلات، وأكثر اعترافاً بنفوذ إيران البحري والإقليمي.

لذلك تبدو هزيمة ترامب انتصاراً. بل هي أدهى من ذلك بكثير.

 
 
 

تعليقات


© 2020 مجموعة إنسايت الاستشارية

  • LinkedIn Social Icon
  • Twitter Social Icon
bottom of page