top of page
بحث

المهمة المستحيلة لهندسة ترامب في الشرق الأوسط!

  • صورة الكاتب: sara john
    sara john
  • 5 فبراير
  • 4 دقيقة قراءة

سمير التقي،

في عالم متعدد الأقطاب، وبحسب وثيقة الأمن القومي لإدارة ترامب، تتصدى الولايات المتحدة لأولويات حرجة وخطرة لمواجهة منافسها المتكاثرين.لكن من الواضح ان الشرق الأوسط لم يعد أولوياتها! رغم انه يبقى حيويا لاكتمال خريطتها العاثرة.

لتحقيق ذلك، تخفف واشنطن ثقل حضورها الفيزيائي في الإقليم، وتعتمد هندسة "الإدارة عن بعد" للفوضى الإقليمية، وتفويض حلفائها المتحاربين وتقسيم العمل والمكاسب والحصص بنيهم، بعيدا عن "وهم " تصفية الصراعات المدمرة والأبدية". بل يتصور ترامب إبقاء صراعاتهم الشرسة تحت سقف مصالحها العليا.

إذا هو “الاستقرار المُفوَّض”، عن بعد، تحت مبدأ "تقاسم الأعباء"، وتوزيع المرابح والدماء بين الحلفاء. لتبقى أمريكا ممسكة بخيوطٍ تكنولوجية ومالية واستخبارية، بقدرات متقدمة، واستخبارات وتمكين عملياتي، وخيار تدخل حاسم عند الضرورة. لتدفع حلفائها المتصارعين إلى الواجهة. لذلك ستُخفِّف واشنطن ثقلها المباشر، لا لأن فقدت اهتمامها، بل بهدف توزيع الكلفة والإلتفات نحو المسارح الأكثر حسماً.

سبق لامريكا ان فعلت ذلك! حيث اعتمد نيكسون 1969 "مشاركة الحلفاء" في العبء الاستراتيجي المباشر. وكذا فعلت بريطانيا باسنحابها من “شرق السويس” أواخر الستينيات، بعد ان الحنين للماضي لن يبقى امبراطوريتها حية.

نعم، بعد ان صارت أمريكا ذاتها مصدرة للنفط، وتراجع حساسيتها لصمادر الطاقة، تراجعت مركزية الشرق الأوسط! لكن رغم انتقال المنافسة الكبرى إلى التكنولوجيا وسلاسل الإمداد البحرية الأبعد، يبقى أمريكا مهتمة بحماية إسرائيل، ومنع سيطرة القوى المعادية على نفط الخليج العربي، وضمان أمن طرق الملاحة البحرية. ما يريده ترامب ان يترك لحلفائه تدبير حروبهم "الأبدية" فيما بينهم دون ان تضطر أمريكا للتدخل. لتُصبح دول الخليج العربي أكثر من مجرد “مستفيد أمني”، بل مزوّداً أمنياً في الخطوط الأمامية: دوريات بحرية، ردعٌ للصواريخ واستراتيجي.

وفيما تذكر هذه الهندسة بتجربة “الركيزتين” التي اعتمددت على القوى الإقليمية في السبعينيات لحماية الخليج؛ إلا أن ركائز سياستها اليوم لا تُبنى على النفط وحده، بل على التكامل العسكري والتقني، وعلى شبكات القيادة والسيطرة وعقود تصنيع مشتركة. تُعيد هذه الاستراتيجية، تعريف موقع المنطقة بوصفها ساحة للصراع والتنافس مع الخصوم الدوليين في سياق تحويل الدول الحليفة لها لمنصة اقتصادية تُدرج الطاقة النووية والذكاء الاصطناعي وتقنيات الدفاع كميادين شراكة، ودعم طموح دول الخليج العربي لتصبح مراكز لوجستية ومالية، توظف صناديقها السيادية كأدوات للنفوذ. تلك كلمة السرفي “صفقة الاستثمار” الإقليمي بهدف التنويع الاقتصادي، وتعزيز القاعدة الصناعية، والذكاء الصناعي، وأشباه الموصلات والطاقة البديلة، كسندٍ بديل لمرونة سلاسل التوريد. ليصير المال في قلب الدبلوماسية بعد ان كان ملحقاً بها.

بذلك تتحول التكنولوجيا، في المقابل، إلى ورقة ضغط لا تقل أهمية عن حاملات الطائرات. وتُستخدم ضوابط التصدير—خصوصاً في شرائح الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة—كأداة تفاوض حول الثقة والامتثال والاصطفاف.

وتكشف الحلقات التنظيمية نشر منصات "الذكاء الاصطناعي” طبيعة المساومات الجديدة بين دول الخليج والولايات المتحدة لتصبح الشراكات الكبرى مثل مايكروسوفت في G42 لتؤكد هذه الفكرة بوصف التبادل التقني اختباراً للثقة والضمانات، وليس مجرد صفقةً تجارية صامتة.

لكن هيهات!ففي شرقنا الأوسط، لا يطابق حساب الصندوق حساب الصندوق! اذ تتربص شياطين كثيرة في تفاصيل بهذه اللوحة الترامبية التخيلية.إذ تعاني هندسة ترامب من ثقوب عديدة كونها تفترض عالما مثاليا يحكمه من التسييد الأمريكي المطلق.

  1. الثقب الأول: ان عالماً متعدد الأقطاب حل محل عالم الحرب الباردة! حيث لا يزال على تقسيم العمل والأدوار والنفوذ وقواعد الصراع بين الكبار بعيدا كل البعد عن الحسم بين الكبار.

  2. الثقب الثاني مفارقة التفويض: وفي حين تريد واشنطن من الشريك الإقليمي تحمل العبء، وان يسمح لها الشريك بتدقيق كل مفاصله التقنية، والإشراف الثقيل للتحقق من الإمتثال والتنسيق الدائم. فانها لا تقدم مقابل ذلك اية ضمانانت استراتيجية امنية تجاه للتعويض عن الاعتماد على خصونها الدوليين

  3. الثقب الثالث: ضيق طيف الدبلوماسية الامريكية: فهندسة كهذه تتطلب انخراطا أمريكيا كثيفا في الإقليم لا تؤمنه مع دبلوماسية “المعاملات السريعة” التي يعتمدها ترامب في ظل تُزاحم الأولويات الإقليمية والدولية بعضها عكس بعض.

  4. الثقب الرابع: ضعف المردود بالنسبة للحلفاء الإقليميين. اذ تتطلب واشنطن أمريكا ان يتحملوا هم المسؤولية الروتينية في الردع والدفاع، بينما تحتفظ هي بحق “إجراءات مركزة وحاسمة” عندما تُمس مصالحها. الامر الذي يخلق نموذجاً عملياتياً خطِراً على جدا علي الإقليم: الضربات الأميركية القصيرة والحادة، لكن ارتدادها: الصواريخ والمسيّرات، والهجمات سيبرانية، أو تعطيل المضائق يقع أولاً وأخيرا على الشركاء في الصف الأمامي. وعلي عكس ـ“عقيدة كارتر” 1980 التي ربطت أمن الخليج بمصالح أميركا الحيوية؛ لا تعد العقيدة الجديدة بحرب طويلة لحماية تدفق الطاقة، بل تُفضّل إدارة المخاطر عبر ردع موضعي وتحالفات أكثر اعتماداً على الذات.

  5. الثقب الخامس والاهم: تبقى الصراعات الإقليمية العميقة كالجمر تحت التراب، إذ تتجاهل استراتيجية ترامب عمق الصراعات والتنافس المستميت بين الاعمدة الاستراتيجية الإقليمية الأربعة. فيما تحجم عن إقامة منظومة استقرار طويلة الأمد. بذلك تبقى الصراعات وتنفجر بشكل متواتر جدا في سياق أزمات الشرعية، وأزمات الحقوق، والصراعات على الساحات والأدوار والنفوذ. وسيكون ترامب واهما ان ظن انه يستطيع ضبطها بهكذا استراتيجية.

وبعد ان فشلت في بناء الدول، وفي نشر الديمقراطية بالدبابات في الإقليم، تعلمت دول الخليج العربي، بالخبرة لا بالمحاضرات، ولا "بالنوايا الطبية"، أن أمريكا النزقة دوماً، سرعان ما تدير ظهرها وتمضي، فيما تطالبها بمزيد من الإنفاق الدفاعي، والتكامل الاتسراتيجي في الدفاع الجوي والصاروخي والبحري، وفيما تبقى هي ذاتها مكشوفة شتى المخاطر الإقليمية والدولية.

بل تتدخل الولايات المتحدة بكثافة في علاقات الإقليم مع الصين وروسيا، لتضمن بقاء القطاعات الاستراتيجية الحساسة خارج مطال خصومها الدوليين. فالتفويض يحتاج إشرافاً، والإشراف يحتاج وقتاً، والوقت هو المورد الأندر في عاصمة تُغيّر أولوياتها بسرعة الأزمة.

رغم هذه الثقوب، ورغم هوامشه الضيقة القلقة، يقامر ترمب بإعادة لخبطة الهندسة الإقليمية: خطأ حساب واحد في البحر أو الفضاء السيبراني يرفع بشكل هائل كلفة التفويض بالنسبة لدول الاقليم.وهيهات، ما بين رغبة واشنطن في الانسحاب من التفاصيل، وحاجتها إلى ضبطها، بل تكاد الدبلوماسية ان تصبح مستحلية! لينك المقال


 
 
 

تعليقات


© 2020 مجموعة إنسايت الاستشارية

  • LinkedIn Social Icon
  • Twitter Social Icon
bottom of page