top of page
بحث

بعد شهر، هل تبتلع عاصفة الحرب، أطرافها قبل ان تهدأ؟

  • صورة الكاتب: sara john
    sara john
  • 29 مارس
  • 4 دقيقة قراءة

سمير التقي،

لا تختصر صور هذه الحرب بحفرةً في مدرج، وسحاب دخان فوق منشأة. بل تضاف اليها صور كثيرة: شلل الناقلات، بوليصات التأمين، وخطط الطوارئ لدى المصافي الآسيوية، والوجوم الجاثم فوق البنوك المركزية.

لا يسقط المؤمن في الحفرة مرتين! لكن ترامب سقط حباً في خداع نتانياهو مرتين: أولها: في حرب 12 يوما حول قرب إيران من انتاج القنبلة، والثانية حول السقوط الوشيك للنظام الإيراني،

لكن بعد شهر من هذه الحرب يتضح امر مركزي: أن إيران ليست جمهورية موز، فلقد أُصيبت أطرافها الحيوية بعمق كبير، لكنها لم تُشل، الأمر الذي يمنح الصراع عمراً إضافياً.

فالدولة التي تخسر دون ان تهزم تبقى تنازع جراحها المضنية، كذئب نازف، وتبقى قادرة على حرمان خصومها من انتصار ناجز. وما أكثر الحروب الناقصة في هذا الشرق الأوسط.

والدرس هو: من ينتصر فبالسياسة! ومن يهزم فبها! إذ لا تخرج السياسة من منصات الصواريخ، بل من سلطة الحكم علي الأرض، وطخران لا تُحكم من السماء، بل من الأرض!

من جهتها، إسرائيل لا تطرح سلاما مع إيران، بل تجد أي تعهد إيراني لا يترافق بالهزيمة النهائية والعضوية لإيران التزاما واحيا. من جهتها، وكما اثبتت حرب ال12 يوما، تجد إيران في وقف إطلاق النار مجرد استراحة تكتيكية، وتحضيرا لاستعادة ردع في جولة مقبلة.

وفي لعبة عض الأصبع الصفرية هذه، ما لم يتبدل سياق الصراع سياسيا سيراهن كل طرف أن خصمه سيتعب قبله. وسيعيد كلاهما إشعال "النار من مستصغر الشرر".

أمريكيا: يراهن نتانياهو على حاجة ترامب لنصر بائن، وتراهن إيران على رفع كلفة الحسم، وتحويل الحرب من حملة قصيرة إلى مساومة طويلة، بل انها تعمل لإقناع ترامب انه فاز، وان ترفع كلفة حسم المعركة على أمريكا سواء في هرمز وكلفته ان نزل على الأرض.

وفيما يمر في هرمز ما يقارب 20٪ من حاجة البشرية للطاقة، يمسك طرفا الصراع بعنق المضيق لتختنق به آسيا، وتحسّ به البنوك الأوربية، وتنحدر استطلاعات الرأي في أمريكا.

لا تحتاج إيران إلى إغلاق المضيق تماما، بل يكفيها عدم اليقين والخوف وارتفاع بوليصات التأمين. ولا تغيير الطرق البديلة من سياق الأزمة. فحين يضيق الباب، لا تعوضه النوافذ! ليعود التضخم الاقتصادي (4% في اقتصادات مجموعة العشرين خلال 2026) إلى قلب المسرح العالمي. فلا يبقى البرميل سلعة في السوق، بل ينتقل سريعاً إلى جيب المستهلك وصناديق الاقتراع.

تلوح إيران بورقة حاضرة كشيك مؤجل: انها أصغر حجماً، ولكنها أشد كثافةً وخطراً! انها ال 440.9 كغ من اليورانيوم المخصب 60%، الذي يؤكد رافاييل غروسي، ان هيئة الطاقة النووية لم تتمكن من رصد أكثر من نصفه!

نظريا، سيكفي هذا المخزون ان عولج بشكل تقني مناسب، لإنتاج مادة انشطارية لأكثر من عشر قنابل. لذلك تبقى هذه القنابل مجرد مشروع، لكنها تجعل كل هدنة مؤقتة ما لم يقفل ملفها.

نعم تغيرت طبيعة النظام في إيران! ولكن ليس كما يشتهي نتانياهو تماما! فكلما طال أمد الصراع، تبلور تهتك النظام الإيراني، ليصبح أشد عسكرةً؛ وأكثر ميلاً إلى الاحتماء بلغة الحصار والنجاة، ويصير الخطاب عسكريا قوميا مثخناً بالجراح والشراسة.

ليس التاريخ زينةً، بل انه مرآة للاحتمالات. ففي حرب الناقلات خلال الثمانينيات بدأت الولايات المتحدة مرافقة الناقلات المعاد تسجيلها تحت العلم الأمريكي في عملية Earnest Will، ثم ردّت في عملية Praying Mantis عام 1988 بعد إصابة السفينة الأمريكية USS Samuel B. Roberts بلغم. لم يكن الدرس أن القوافل عديمة الجدوى، بل أن الجغرافيا الخليجية تمنح القوة الساحلية قدرةً دائمة على الإزعاج حتى في وجه بحرية أعظم منها. إذ لا تحتاج الممرات الضيقة إلى جيوش جرارة كي تصبح خطرة؛ بل انهيار القانون الدولي وبضعة الغام وزوارق.

عام 1973 و1974 لم ينقطع النفط إلى الأبد، لكن الصدمة كانت كافية ليقفز السعر بداية إلى الضعف ثم إلى أربعة أمثاله تقريباً، وليدخل الاقتصاد العالمي نفق التضخم والركود معاً. وقد وثّقت وزارة الخارجية الأمريكية والاحتياطي الفيدرالي كيف عمّقت تلك الصدمة اختلالات قائمة، ودفعت الحكومات إلى إعادة التفكير في الاحتياطيات الاستراتيجية، وكفاءة الوقود، وحدود الاعتماد على الخارج.

مثل شرارة في الحقل، لا تحتاج حروب الطاقة ان تطول، كي تشعل الحريق على المستوى الدولي!

تسعى إيران عمليا لتحويل الخليج العربي إلى بؤرة صراع دولي مفتوحة: ردع بلا ثقة، ومساومات بلا توافقات ولا سلام، وممرات بحرية تحت سطوة المدافع، وأسواق قلقة. بل وتمعن إيرن في نكرانها لجيرتها العربية وفي اعتداءاتها السافرة!

من جهتها تدرك دول الخليج العربي ان بعض الحروب لا يخرج من منصات الصواريخ، بل عبر خنق مصادر الطاقة وناقلاتها وتكريس تهديدات "أجهزة الطرد المركزي". لذلك فانها تحاول دفع العمل الدبلوماسي الدولي ليصير مضيق هرمز بؤرة توافق إقليمي يضمنه المجتمع دولي.

أما في واشنطن فتنفتح أخرى جبهة أخرى، تبدو أقل صخباً!

فالخلاف داخل الإدارة حول استمرار الحبر ليس، في جوهره، بين دعاة حرب ودعاة سلام!

ثمة من يريد إدامة خنق إيران — عسكرياً ومالياً — حتى تُسلِّم كل أوراقها! وثمة من يخشون أن يتحول الضغط، إذا طال، إلى مستنقع تصفق له إسرائيل، وتغرق فيه أمريكا!

أبلغ ترامب مساعديه، أنه يريد التفاوض وتجنّب “حرب أبدية”! ويجسّد فانس هذا التردد على نحو دال: فالرجل المعروف بنزعته الانكفائية لحد ان ترامب نفسه وصفه بأنه “أقل حماسة” لضرب إيران". أما روبيو فقد صار لسان هذا القلق المنظَّم؛ وهو يكرر أن العملية ينبغي أن تُقاس بأسابيع لا بأشهر، ويمكن بلوغ أهدافها دون قوات برية.

وفي البنتاغون فيعمل جاهدا علي تضييق اهداف الحرب! لا يقتصر تردده علي الجانب السياسي، بل يمتد إلى الحساب المهني البارد: استنزاف الذخائر الدقيقة، واتساع الانتشار، والخشية من أن تقود أي خطوة على الأرض إلى نسخة جديدة كريهة ومألوفة تذكر برائحة الحبرعلى العراق وأفغانستان.

وفي السياسة، كما في البحر، لا تقاس العاصفة بارتفاع الموج، بل بقوة التيار الذي قد يدفع السفينة إلى حيث لا تريد. فهل تبتلع عاصفة الحرب كل أطرافها قبل ان تهدأ؟ رابط المقال https://www.annahar.com/articles/annahar-writers/293256/%D9%87%D9%84-%D8%AA%D8%A8%D8%AA%D9%84%D8%B9-%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%83%D9%84-%D8%A3%D8%B7%D8%B1%D8%A7%D9%81%D9%87%D8%A7-%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%A3%D9%86-%D8%AA%D9%87%D8%AF%D8%A3

 
 
 

تعليقات


© 2020 مجموعة إنسايت الاستشارية

  • LinkedIn Social Icon
  • Twitter Social Icon
bottom of page