مسقط، مفاوضة الإكراه،فهل تحتاج طهران للحرب؟
- sara john
- 13 فبراير
- 3 دقيقة قراءة

سمير التقي،
في لوحة مفاوضات مسقط، ترتسم الدراما الإقليمية بكل أبعادها!
نشاهد شكلياً إشارات إيجابية، لكنها تخفي ضمنا خلافات عميقة. إذ لا تعرف طهرانما سيقبل به ترامب: اتفاقٌا مؤقتٌا ضيقاً، ام انه سائر لا محالة "لتسوية الوضع بمجمله".
ناهيك عن الاختلاف على نمط الحل وأبعاده افتتحت نافذة الدبلوماسية بين أمريكا وإيران بأجندة فارغة.
وفيما يظهر الطرفان رغبةً في استمرار “المحادثات”، يحاول كل منهما رسم حدودها.
يصف عراقجي الجلسة الأولى بال“إيجابية”، و” البداية الجيدة”، لكنه يسارع لتثبيت قيدٍ حاكم: “موضوع محادثاتنا نووي بحت”. وبالمقابل، تشير التقارير ان واشنطن لم تُخفِف إصرارها على طيف المحادثات: الصواريخ والوكلاء وملفات حقوق الإنسان.
امام هذا التناقض لا تشكل محادثات مسقط مفاوضات لل“الحدّ من التسلح” بقدر ما هي إدارة للأزمة بوسائل تفاوضية تحت الضغط: محادثاتٌ لتجنّب الانفجار الآن، وإكراهٌ وتصعيد لإجبار الطرف الآخر على تقديم ثمنٍ لاحقاً.
يتبلور لدينا إذا، سؤال أقلّ رومانسية: ما الصفقة الممكنة في بيئة الانعدام الشديد للثقة، حيث يُخشى كل طوف تحول أي تنازلٍ اليوم، إلى ورقةٍ لا قيمة لها غداً؟
حتى في التفاوض القسري، تدور الحقة الأولى حول تعريف المشكلة. تريد طهران حصرها بالملف النووي،
وتريد واشنطن تسوية المعضلة الإيرانية مرة نهائية، مدفوعةً بتحالفاتها وبالردع الاستراتيجي المنشود.
بل ترى واشنطن ان الملف النووي تحصيل حاصل، وهو قاعدة للانتقال نحو القضايا الأخرى، لكن طهران تجده نهاية المطاف.
بحسب عراقجي، ترفع طهران قرار التخصيب من مجرد قضية تقنية، إلى رمز سيادي. لكن واشنطن لا تناقش من منطق الحقوق، بل من منطق الإكراه الاقتصادي او حتى العسكري.
وبحسب “ذا ناشيونال”، تلوح واشنطن بآليات عقوبات جديدة - 25% - على واردات الدول التي تشتري سلعاً إيرانية “مباشرة أو غير مباشرة”، لتطال الأطراف الأخرى المتعاملة مع إيران.
يحمل هذا النهج منطقاً بسيطاً: تخفيض هوامش المراوغة المتاحة لإيران ورفع حرج جدا لتكلفة اللعب الإيراني على الزمن.
من جهتها، ورغم تعايش إيران مع العقوبات، فإنها تتوجس من احتمال إستمرارها رغم تقديم إيران للتنازلات. في هذه الحالة إما ان تفضل طهران صفقةً قصيرة الأمد، أو ان تُطيل التفاوض يتيح شراد الوقت وتدبير التكاليف.
لتبرز المعضلة الاعقد في هذه المفاوضات! فحتى لو أمكن التوافق على الاجندة، وهوامش للمساومة العلنية او المستورة، تبقى المعضلة في ضعف الضمانات المستقبلية.
في هذه المفاوضات يصبح تسلسل المساومات وترابطها أهم من “المبادئ” التفاوضية: ما هو الموضوع الذي يبحث أولاً؟ وكيف يمكن التراجع في منتصف المفاوضات عما تم التوافق عليه سابقاً.
يمكن ان تصور ان يتم الاتفاق على “الحد مقابل التخفيف”: سقوفٌ واضحة للبرنامج النووي ومخزوناليورانيوم، توسيعٌ للمراقبة والتحقق، مقابل تخفيفٍ جزئيّ محددٍ للعقوبات مصمم بحيث يمكن التراجع عنه سريعاً إذا انهار الامتثال. بهذا المعنى لن تتمكن هذه الصفقة من انهاء النزاع لكنها تُدير مخاطره.
لكن خارج تقنيات التفاوض، من الواضح ان كلا الطرفين لا يتفاوضان مع بعضهما فحسب؛ بل يتفاوضون مع جمهورهم.
يفرض الداخل الأميركي إيقاعاً قصيراً وسريعاً: رغبةٌ في “إنجازٍ مرئي يحفظ ماء وجه ترامب”.وتفرض الساحة الإيرانية: خطاباً سيادياً للتخصيب” و"الصمود" أمام الضغوط، وحساسيةٌ من أي تنازلٍ قد يبدو مجانياً.
والأهم ان الطرفان يتواطأان في تجاهل مفضوح لإخفاد ذلك: "المحرم الذي لا يريد أحد لمسه." وهو ان إسرائيل جزء عضوي من هذه المفاوضات.
تكمن مصلحة إسرائيل، إما في تسوية مخاطر إيران الإقليمية بشكل تام، من النووي والصواريخ او الأذرع، أو في اتفاق يهدئ الساحة لكنه لا يخفف الضغوط ويبقى اليد علي الزناد.
انها فرصة تاريخية لإسرائيل لتغيير السياق الاستراتيجي للصراع الإقليمي. فلقد اصطفت النجوم بشكل لم يسبق له مثيل لصالحها، بحيث أطلقت كل القوى الدولية يدها لتستكمل التصفية الهيكلية ل"جبهة المقاومة". لذلك فانها تصر على استكمال إغلاق المخاطر الاستراتيجية الإيرانية المباشرة. سوى ذلك، تحسر فرصتها التاريخية وتكون كل انجازاتها بعد السابع من أكتوبر، مجرد إغلاق لدورة من الصراع، تمهيدا لدورة وشيكة!
يقول عراقجي إن “قنبلتنا الذرية هي القوة التي تقول لا للقوى العظمى”. قد يُحسن هذا النوع من الإشارات السمعة الداخلية للنظام، لكنه يزيد بقدر كبير من التحفظ الأمريكي والتصميم الإسرائيلي،ويفتح احتمالات ان تتحول الحوادث البحرية أو نشاط الوكلاء إلى شرارة تشعل الصراع بشكل منفلت.
من وجهة نظر التكنوقراط المحيطين بالرئيس بزشكيان، فانهم يعانون من تصلب مفاصل البنية العقائدية للدولة، والمحدودية الكبيرة في قدرتها على التكييف، خاصة في ظل الحلقة الجديدة للعقوبات الأمريكية، فيما يوغل النظام السياسي في الضبط القسري للاقتصاد والمجتمع.
تحمل هذه العوامل ملامح هشاشةً هائلة كامنة: تشددٌ داخلي إيراني، يرفع كلفة الخطأ، ويزيد تشوه المعلومات، ويجعل التراجع أكثر صعوبة.
بالمقابل، يعرف ترامب كلفة ان يبدو مخدوعا امام جمهوره! ليس لانه رفع السقف التفاوضي، بل لأن أي اتفاق راهن ستتم مقارنته حتما باتفاق أوباما 2105.
عندئذ، سيكون عليه مجاتهة منتقديه ليس فقط في إسرائيل، بل من كل الطيف الممتد من الديمقراطين الذين سيقارنون أي اتفاق باتفاق أوباما، وصولا لتيارات جمهورية وازنة ترى في اتفاقٍ نووي جزئي تنازلاً يترك الصواريخ والوكلاء، خارج القيد. عندها سيسعى لالمعرضون معا لتعطيله سياسياً أو ميدانياً.
وإذ يعلن نتانياهو ان على إسرائيل ان تستقل عسكريا عن أمريكا خلال خمس سنوات، وإذ يعلن مسؤولوه الأمنيون ان أي اتفاق لا يراعي مصالح إسرائيل "لا قيمة له"، لعل لترامب يتوقع ما سيسمعه من نتانياهو في زيارته المقبلة لواشنطن: لن تكون إسرائيل ملزمة بالتهدئة مع إيران في الإقليم، ما لم تلبى مطالبها! وإذ تملك إسرائيل الكثير من الأوراق علي الأرض فانها قد تحرم ترامب من قطاف مكاسب "اتفاقات السلام" أمريكيا وإقليميا.
ترجح الأوساط المالية الدولية احتمالات المجابهة والتصعيد ب 75٪ وذلك في غياب آليات لضمان التزامٍ دائم، ليعود الصراع لدورته من جديد: تهدئةٌ ثم توتر، مع صدماتٍ مفاجئة — مالية أو سياسية أو عسكرية — تعيد خلط الأوراق.
لذلك وبعد 25 عاما من التفاوض، صارت لأوراق مكشوفة والطريق واضحة.
ليصبح السؤال: هل تحتاج طهران للحرب؟ رابط المقال https://www.annahar.com/articles/annahar-writers/276840/مسقط-مفاوضة-الإكراه-فهل-تحتاج-طهران-للحرب




تعليقات