من سبارطة إلى "جنق قلعة"، إلى هرمز ثم تايوان،ماذا يعلمنا تاريخ المضائق؟
- sara john
- 23 مارس
- 4 دقيقة قراءة

سمير التقي،
يعلمنا التاريخ العسكري أن لا شيء أثبت من دروس الجغرافيا، ولا شيء أقدم من القتال على المضائق.
في أواخر حرب إسبارطة وأثينا، سيطرت إسبرطة على مضائق إيغوسبوتامي (قرب "جنق قلعة" تركيا) لتقطع طريق الحبوب عن أثينا، ويتسارع تصدع أثينا، ولتخلفها روما بعد عقود.
في الحرب العالمية الأولى، جابه الحلفاء، وفي مقدمتهم بريطانيا وفرنسا، دول المحور: ألمانيا والنمسا.
في حينه اشترطت روسيا الحصول على قروض طائلة من بريطانيا وفرنسا مقابل انضمامها للحلفاء، ليتم تسديد الديون بالقمح الأوكراني.
لكن، سرعان ما تمكنت ألمانيا من إقناع تركيا العثمانية بالانضمام لدول المحور وأن تغلق بالتالي مضيق الدردنيل.
تنطح تشرشل لمعالجة ارتفاع أسعار القمح وما نجم عنه من تضخم خطير، بإرسال قوة بحرية كبرى لفتح مضائق الدردنيل، بمشاركة 12 دولة. في حينه أيضًا، تحدثت بريطانيا عن تغيير النظام في (تركيا العثمانية).
لكن، بعدما فشلت بوارج الحلفاء في تدمير التحصينات التركية، أرسل تشرشل قوة إنزال برمائية، سرعان ما سحقت تمامًا، وتسببت بكارثة لتشرشل، وصعد على إثرها القائد التركي العثماني الكبير أتاتورك، الذي ما لبث أن دمر بيديه ما تبقى من دولة الخلافة الإسلامية، ليؤسس الدولة القومية التركية الحديثة.
على الجانب الآخر، أدت هزيمة الحلفاء لتسريع انهيار الإمبراطورية البريطانية ذاتها، ونمو الوعي الوطني الأسترالي والنيوزيلندي والاسكتلندي.
يشهد بذلك كتاب "ليس كارليون" - "جاليبولي" - (جنق قلعة)، الزاخر بالمستندات ورسائل الجنود، عن صعود الشعور الوطني بين الجنود "الأنزاك الأستراليين" الصابرين، الفكهين، والشجعان، يقتلون بعشرات الألوف نتيجة الأوامر العبثية لقيادة تشرشل في المركز الإمبراطوري.
فيا له من فيلم مألوف!!
يقارن المؤرخون الاستراتيجيون ما يحصل في المنعطفات الكبرى للتاريخ البشري من صعود وأفول، فيما يسمى مأزق ثوسيديديس - Thucydides - الذي حصل عند مضائق الدردنيل.
من جهتها، حرب أوكرانيا، التي بدأت حرب دروع، سرعان ما تحولت إلى حرب مدفعية (فالجيش الروسي جيش مدفعية من حيث الأساس). لكن تطور التقنيات الأوكرانية حولها بدوره إلى حرب مسيرات، أصبحت المسؤولة عن 80٪ من الخسائر.
ونحن لا ننسى أن مضائق البحر الأسود كانت عنصرًا جوهريًا في الغزو الروسي 2022. ولو نجح الروس في السيطرة على أوديسا، لحرموا أوكرانيا من تجارتها بالقمح والسماد، ولانتهت الحرب منذ زمن بعيد.
بل، بفضل المسيرات البحرية والجوية الرخيصة، كسرت أوكرانيا (التي لا تملك أسطولًا بحريًا) معادلة المضائق، واحتفظت بأوديسا، والطرق البحرية نحو المتوسط.
لذلك نقول إن تاريخ الصراع على المضائق هو فصل مركزي في التاريخ العسكري العالمي. ونحن لا نقصد أن ما حصل في "إيغوسبوتامي" و"جنق قلعة" وأوديسا سيتكرر بحذافيره مع إيران، لكنه يحمل دروسًا هائلة.
نحن ندرك أن الأسلحة الدقيقة تسببت في 2026 بفروق هائلة عن ذاك الزمان، في الوضع الاستراتيجي.
لكن، وكما في أفغانستان، يتضاءل هذا التفوق بشكل هائل إن قرر ترامب النزول على الأرض.
والآن، ليست أمريكا وحدها التي تستخدم الأساليب غير المتناظرة، بل تستخدمها إيران أيضًا. وكل ما يلزمها هو رفع مخاطر تأمين الملاحة في هرمز.
وفيما يتعلق بإغلاق إيران لمضيق هرمز، تتعلم الولايات المتحدة دروسها من الحرب الأوكرانية متأخرة جدًا. بل يجد ترامب نفسه أمام مأزق اقتصادي بنيوي فيما يعرف "بقانون فيرغسون": حيث لا يمكن للقوى العظمى الاستمرار طويلًا في الإنفاق على الدفاع أكثر من مدفوعات الفوائد على ديونها. ولقد تجاوزت أمريكا هذه العتبة 2024. وهي لا تملك مساحة مالية غير محدودة للمناورة.
ومن جهته فإن زيلينسكي، الذي فشل في دافوس في الحصول على دعم الصناعة الحربية الأوكرانية المضادة للمسيرات "لمنع روسيا من قصف باريس وبروكسل"، فلقد أقنعت إيران الآن أمريكا والعديد من الدول الأخرى بالاستثمار في صناعة المسيرات الأوكرانية لحماية مضيق هرمز.
يقول وزير الخزانة بيسانت: "إن شهية الرئيس للمخاطر أكبر حتى من شهيتي". لكن عند حد 100 دولار للبرميل، تنقطع شهية ترامب نفسه.
من جهة أخرى، وكما في حال الخلافة العثمانية، فإن الهزيمة السياسية للنظام الإيراني بادية بمعظم المقاييس، ولن يمضي وقت طويل إلى أن يصل الاقتصاد الإيراني لنقطة كارثية، فيما يختمر احتمال أن يخرج من بين الدخان "أتاتورك" إيراني، يعيد تأسيس نموذج الدولة من جديد.
ومثل كل حروب المضائق، ستطال التغييرات الجذرية والعميقة كل بنية الإقليم ودوله، بما في ذلك إسرائيل وتركيا بالطبع.
أما السيناريو الأخطر من هرمز بكثير، فيختمر في مضيق آخر على خلفية المشهد العالمي حول تايوان.
يشكل مضيق "مالاكا" نقطة اختناق اقتصادية أكبر بكثير من هرمز، ويمر به 90٪ من تجارة الرقائق عالية الجودة اللازمة للذكاء الصناعي. وسينتج إغلاقه المشكلة الأمريكية الراهنة.
نحن لا نفترض أن "شي جين بينغ" يخطط لغزو تايوان، نظرًا للمخاطر الكبيرة على الاقتصاد الصيني. لكن، مع تصاعد التوتر الدولي وتداعي أدوات حفظ السلام في العالم، قد تذهب الصين، ودون إطلاق طلقة واحدة، نحو فرض حصار جمركي على مضيق مالاكا وتايوان كجزء من حقوق الصين السيادية.
رغم أن ترامب يقول: "إن تايوان ليست تلك التلة التي يريد أن يموت عليها"، فإنه سيضطر لإنشاء جسر جوي إلى تايوان. إذ تضع سيطرة الصين على تجارة تايوان إدارة ترامب أمام معضلة استراتيجية كبيرة، خاصة في ظروف استنفاذ جدي لمخزون الصواريخ الدقيقة في حرب إيران، وتآكل القاعدة الصناعية الدفاعية، بحيث إنها ستحتاج لأكثر من سنتين للتعافي، حتى لو توفرت الـ200 مليار دولار المطلوبة من الكونغرس.
خاصة بعد التجربة الأوكرانية والإيرانية، تحتاج أمريكا لثورة صناعية عسكرية لإعادة هندسة قدراتها بالكامل، لتنتج مسيراتها الرخيصة بالملايين، وتنتقل إلى الجيل القادم من الأسلحة القابلة للاستنزاف.
تمكن العام الماضي من استثمار احتكاره للخامات النادرة وإنهاء حرب ترامب التجارية لصالحه! ويخلق هذا الواقع فرصة جدية لشي جين بينغ، لكنه يبدو حذرًا في التقاط هذه الفرصة.
لذلك فالعقدة الدولية لم تعد معقودة في هرمز، بل فيما سيقرره شي جين بينغ.
نعم، يظن ترامب أنه اتخذ قرار الحرب على إيران بوعي كامل، لكنه لم يفكر أبدًا في المخاطر الجيوسياسية السلبية والجانبية.
فعندما تخوض دولة عظمى حربًا، عليها إثبات قوتها في كل المسارح الدولية في ذات الوقت. رابط المقال https://www.annahar.com/articles/annahar-writers/290710/من-إسبارطة-إلى-جنق-قلعة-إلى-هرمز-ثم-تايوان-ماذا-يعلمنا-تاريخ-المضائق




تعليقات